كيف تصنع ايديولوجيتك

ايديولجيتك = مبدأك = افكارك = شخصيتك = مستقبلك

ابحث عن المعنى الغائب هنـــــــــا

الجمعة، 25 مارس 2011

يعنى ايه ثورة .. و يعنى ايه ثورة مضاده



ثورة الفل و الياسمين .. اسماء لثورات يحكى عنها كل العالم متناسين ما حملت من قتلى و الام وكثير منا لا يعلم معنى الثورة فى الاصل لكنهم سعيدون بمشاعرهم فقط

يعنى ايه ثورة؟؟

الثورة تعني قيام الأغلبية (الساحقة) المقهورة بتنحية الأقلية الحاكمة والمتحكمة في الأغلبية على ان يكون التغيير شاملاً وجذرياً يتعلق بالشكل والمضمون و يتناول النظام"السياسي و الاقتصادى و الاجتماعى والثقافى" قبل الأشخاص .. ويستهدف الأوضاع والدستور والقوانين والعلاقات الداخلية والخارجية للدولة ولا يستثني شيئاً منها بمعنى أن تكون ثورة شاملة عامة و جذرية انقلابية .. وذلك عن طريق قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة او من خلال أدواته كالقوات المسلحة
والهدف الاساسي من الثورة تغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية طموحات الشعب وتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية .. و هذه البرامج لن تنفذ إلا اذا وجد تخطيط مسبق لها مبنى على اسس ايديولوجيه و ثقافيه و اجتماعيه و سياسيه تهدم النظام القائم و تبنى أخر معبر عن متطلبات الشعب
فإن كان منسوب التغيير شاملاً جميع مناحي الحياة فتعتبر ثورة .. وأما إن كان دون ذلك فلا

في تونس ومصر هناك انتفاضة شعبية عفوية قادها الشعب ..تسببت في بعض التغيير الإداري لا يمكن أن تسمى ثورة لأنه لم يغير في أسباب المعاناة ولم يقض عليها .. و اذا ظل الحال كما هو عليه فالنظام السابق هو من سيتولى إنجاز الإصلاحات التي ينادي بها الشعب وتستمر الانظمه الحاكمه و لن يذكر فى التاريخ بأنها ثورة وذلك لأن مطالب المحتجين فيها لا ترقى الى التغيير الشامل و لعدم وجود فكر ونظام بديل للفكر والنظام السائد
وهذا هو المطلب الرئيسي لأمريكا في المنطقة العربية بكاملها، لأن هذه الاستمرارية هي الضامن الوحيد لأمن وسلامة إسرائيل

بعكس ما حدث فى الثورة الفرنسيه و التى مثلت ثورة حقيقيه شعر بها الشعب و أدت لإزدهارة
فقد عملت على إلغاء الملكية المطلقة واعلان نظام جمهورى ودستور جديد وألغت الامتيازات الإقطاعية للطبقة المستغله والنفوذ الديني الكاثوليكي و وضعت أول دستور للبلاد .. و بهذا كان التغيير شاملا جذريا


وعن الثورة المضاده فلكل شخص رأى يحترم و معارض للرأى الآخر تماما و ذلك لانه لا تعريف محدد لها

يعنى ايه ثورة مضاده؟
الثورة المضادة هي محاولة من أنصار النظام القديم لاستعادة النظام القديم بقواعد عمله الأساسى أهم من أشخاصه، ويعني ذلك في مصر عودة سطوة المؤسسة الأمنية واستمرار مناخ الفساد المالي والإداري في كافة المؤسسات ضمن عملية تحميها وتستفيد منها المؤسسات الأمنية

ففي فرنسا نجد ان تهديدات الثورة المضاده تمثلت فى - كثرة الأحزاب وقيادة هذه الأحزاب الساعية إلى السلطة - تدخل لقوى الرجعية الداخلية والخارجية المعادية للثورة - استمرار القوة السياديه بيد رئيس الدوله - التدخل فى حروب خارجيه و غيرها .. و هو ما يتبع الى حد ما في مصر

فى مصر تسعى الثورة المضادة إلى إثارة الفزع من الثورة نفسها وتهدف من ذلك إلى ابقاء المواطنين في بيوتهم ومنعهم من الانضمام للثوار و بالطبع تعمل على مواجهة أي عمليات احتجاجية وتعادي بشكل خاص اضرابات العمال
إذا فالمظاهرات الفئويه و الإضرابات العماليه والاحتجاجات المطالبه بإستكمال التغيير و محاسبه الفاسدين هى من صنع الثورة و عدوها الاول الثورة المضاده و ليس العكس
ومثال رأيته في الجامعه حين طالب الطلاب و هيئه التدريس بإقاله رموز الفساد قرر رؤساء الجامعات إغلاقها حتى تنتهى التظاهرات -وهو إجراء تخريبي لو تم في أي دولة بدون قرار سيادي لتعرض من قام به للمحاكمة- و اذا بحثت فى ملفات هؤلاء الرؤساء لوجدت ان كل منهم متورط فى قضيه فساد و تواجده هو استكمال للفساد و حفاظا عليه

ولكي نستطيع هزيمة الثورة المضادة نهائيا يجب علينا الآتي:
الاطاحة بكل مسئول فاسد ومحاسبته، بكل الوسائل وأهمها الضغط من خلال الاضرابات والاعتصامات
الدعوة لتجميد ارصدة كل رجل أعمال فاسد او من أعوان نظام مبارك لحين معرفة مصدر هذه الأموال
الدعوة لتشكيل لجنة تبحث شكاوي كافة المواطنين عن اي تجاوزات للشرطة خلال العوام الثلاثين السابقة وتحيل المسئولين عنها للمحاكمةالعسكريه
..
الخ

الاثنين، 20 سبتمبر 2010

الليبراليه باختصار


في العهود السابقة على الليبرالية كان الحُكم يُعتبر حق مُطلق ، موروث (لفئه بعينها)، ممنوح من خالق الكون (لفئه بعينها) ، وعليه فليس الحاكم مسؤولا تجاه المحكوم بشيء . أما القوى البرلمانية " الليبرالية" فقد رفضت إدعاء هذا الحق ، وقررت أن الحُكم ليس حكرا لفئه مُعينه ، وأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقه إنتمائيه تعاقديه ، وبما أن الإنسان له حقوق طبيعيه في الحريه والكرامه ، وجب الإقرار بأن الحكم يجب أن يكون مبنيا على رضا المحكوم ، ( فالشعب هو مصدر الحكم ، والحكم حينئذ مسألة أمانة لا مسألة حق ) ، وعلى ذلك ، فكل حاكم مُعرّض لمُحاسبة المحكوم على نحو مُستمر ، وإن أساء إستعمال الحكم الذي وضعه الشعب أمانة في عُنقه ، جاز حينئذ مُحاسبته وخلعه .

الليبرالية (Liberalism) من أكثر المفاهيم المعاصرة غموضاً، السبب أنها مفاهيم فلسفية، تتغير و تتبدل وتتطور حسب مقتضيات المكان والزمان . ولأنها كذلك، ولأن الإنسان العربي تعـّود على ( تعريفٍ ) جامع مانع قاطع للمصطلحات، ولأنها كمفاهيم ورؤى فلسفية تستعصي على التعريف، وترفضُ أن تنظمها ( أيديولوجيا ) معينة، أو ( تجربة ) بعينها، تمرّدت على الفهم المباشر، وأغرقت في الغموض لأن كل مجتمع يختلف عن الأخر فى العادات و التقاليد و الليبراليه كما ذكرت أنها سلوك فستتأثر بسلوك هذا المجتمع و بذلك سيصعب وضع مفهوم أو تعريف محدد لليبراليه.

نشأه الليبراليه
بدأت في أوروبا بعد رد فعل عنيف على انتهاك صريح وصارخ لقيمة الإنسان بإسم الدين والإقطاع والملكيه ، هذا الثالوث الذي حطم كرامة الإنسان ، فلم يُبقي فيه مساحة لأدنى حريه و من هنا بدأ النظر للأنسان كأنسان و بدأت الأفكار التى تخاطب السلوك الأنسانى فى التكوين و من هنا بدأت فكره الليبراليه

تعريف بالليبراليه
الليبراليه هى فكره إنسانيه تخاطب السلوك الأنسانى فلذلك نجد أن الأنسان هو محور الفكر الليبراليى لأن الليبراليه نشأت من أجل منافع الإنسان ( كفرد ) وكرامته ورفع مُعاناته من ذوي السلطة الدينية والدنيوية أنا قصدت أبتدى كده علشان بس أوضح أن الليبراليه ملهاش علاقه بالدين الليبراليه مفهوم أنسانى يخاطب سلوك الأنسان و الدين مفهوم روحانى يكون بين الأنسان و ما يعبده يعنى حاجتين مختلفتين مينفعش بتقارنو ببعض أو يبقو عكس بعض يعنى أنا مسلم و ليبرالى و يمنعش يبقى مسيحى ليبرالى أو يهودى ليبرالى أو ملحد ليبرالى أقصد أن الليبراليه ديه صفه يتصف بها الأنسان فى سلوكه يعنى ممكن تقولى على الولد ده كول أو تقول على البنت ديه دماغها لذيذه يعنى الصفات لا تقارن بالأديان أه ممكن أقارن بين دين و دين لكن مينفعش أقارن بين سلوك و دين أنا بقول كده علشان الثقافه عندنا فى مصر بتحارب أى فكر ممكن أنه يخلى المجتمع متحضر

أسس الليبراليه
1 -العلمانية
من ناحيه السياسه : فصل الدين عن الدولة مع ضمان وصيانة ، في الوقت ذاته ، حرية العقيدة والإعتقاد لأن أنتقاد عقيده معينه أو فكر معين ضد مبادىء الليبراليه لأن الليبراليه لا تمنع دين و لا تحظر فكر أو عقيده .

2 - الديموقراطية
على أساس التعددية والحزبية والنقابية والإنتخابية من خلال النظام البرلماني الذى يضمن أن الدوله تكون عباره عن مؤسسات مستقله .

3 - الحرية الفردية
على أساس كفالة حرية الفرد واحترام إستقلال الآخر و أحترام الحريات الشخصيه و الفكريه و غيره من الحريات دون التسبب بأعاقه حريه الأخرين و الليبراليه تنتهج أسلوب حريتى تنتهى عن بدء حريه الأخرين .

الليبراليه وتفرعها وأسباب تفرعها

غموض الليبرالية، جعلها تتفرع و تتعدد وتتلون، حسب رؤى هذا المفكر أو ذلك الفيلسوف . ومع ذلك يمكن القول أن الأساس الذي يتفق عليه الليبراليون بشتى تنوعاتهم وتوجهاتهم ومشاربهم هو (حرية الإنسان، واحترام فرديته) . بعد ذلك، أو دون ذلك، تقبل الليبرالية أي اختلاف مهما كان، ومهما يصل . يقول عبد الله العروي في كتابه ( مفهوم الحرية) ص 39 ما نصه : ( الليبرالية تعتبر الحرية المبدأ والمنتهى , الباعث والهدف , الأصل والنتيجة في حياة الإنسان , وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه) . انتهى . أما كيف تصل إلى تحقيق ذلك، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فالإنسان (حر) في أن يجتهد و يُشرع ويُقنن حتى يحقق هذه الأهداف . وهذا يعني أننا عندما نأخذ تجربة ليبرالية بعينها، ثم نضعها في (قالب) أو منهج معين، ثم نقول هذه هي (الليبرالية)، وما عداها ليست ليبرالية، أو أنها ناقصة، أو كسيحة، فنحن في رأيي (ننجرف) إلى ما نرفضه من حيث المبدأ : ( أد لجة الليبرالية) . وهذا ما أشار إليه كما يقول العروي الفيلسوف الإنجليزي (ستيوارت مل) في كتابه (في الحريةOn Liberty) يقول : ( عندما نقبل أن تكون المبادئ مسلمات لا تحتمل النقد, وأن تكون المسائل الكبرى التي تهم البشر موضحة بدون نقاش محدد, حينذاك يضمر النشاط الفكري الذي طبع الفترات الذهبية من تاريخ الإنسان)


الليبرالية الاقتصادية كان من أهم منظريها ( آدم سميث 1723-1790م) الذي يعتبر أحد رواد الفكر الاقتصادي الحديث . والذي اشتهر بمقولته الشهيرة ( دعه يمر ، دعه يعمل ) ، وهي العبارة التي تعتبر الأساس الأول لليبرالية الاقتصادية . أما الليبرالية السياسية فقد كان من أهم فلاسفتها ( جون لوك 1632-1704م ) . وهو أول من تحدث عن تقنين الحريات . يقول ( لوك ) كما جاء في ( موسوعة الفلسفة لعبد الرحمن بدوي ) ما نصه : ( سلطان القانون ضروري لهذه الحرية ـ الحرية الفردية ـ إذ بدون هذا القانون الطبيعي لصارت حرية الإنسان فوضى ) .. ومن هذا القانون ـ كما يقول بدوي ـ استنتج لوك (قانوناً عقلياً) به يصل الناس إلى الاتفاق الاجتماعي، وقبول هذا الاتفاق) . ويعتبر لوك أن حقوق الفرد السياسية نابعة من تملكه ( الملكية الفردية) . وهذا ما يجعل (الإقتصاد) وليس (السياسة) هي التي لها الأولوية، لا كما توهم الأستاذ ابراهيم البليهي عندما قال: (الليبرالية في الأصل (مفهومٌ) سياسي؛ فالليبرالية الاقتصادية فرعٌ عن الليبرالية السياسية ). راجع لقائه في دار الندوة . وهذا كلام غير دقيق، فعند لوك، كما ترى، (الملكية الفردية) هي الأساس، والتي تنبثق منها فيما بعد ( الحقوق) السياسية، أي أن الليبرالية (الإقتصادية) هي المحور و(السياسية) هي الفرع . حتى ان (لوك) منظر الليبرالية السياسية الأول يرى أن من (لاملكية) لهم إما (عبيد) أو (مجردون) من الحقوق السياسية ..
ولا يمكن الحديث عن الليبرالية دون أن نستعرض ما يسمى اليوم ( الليبرالية الجديدة New Liberalism ) . وهي خليط من حرية السوق (اقتصادياً)، والديموقراطية التمثيلية (سياسياً)، والحرية الفردية (اجتماعياً). كما أنها تعتبر (آلية) السوق هي الآلية (الوحيدة)، وكذلك (المعيار)، لتحديد توجهات المجتمع، سواء أكانت هذه التوجهات اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية أم ثقافية، حيث تعطي للسوق زمام (المبادرة) في (تحديد) ما (يكون) وما لا يجب ( أن يكون) على المستوى الاقتصادي و السياسي والاجتماعي داخل الدول . ويُمكن القول أن (الليبرالية الجديدة) هي المضمون الذي تتحرك في آفاق رؤاه وفلسفته (العولمة) الاقتصادية، والتي تعمل (منظمة التجارة العالمية WTO ) على (تذليل) ما يقفُ في وجهها من عقبات ..

الثلاثاء، 7 سبتمبر 2010

الماركسية والدين




ميكائيل لووي
ترجمة : بشير السباعي
ينظر معظم مؤيدي الماركسية وخصومها إلى عبارة" الدين أفيون الشعب " الشهيرة علي أنها خلاصة المفهوم الماركسي عن الظاهرة الدينية . علي أننا يجب أن نتذكر بادئ ذي بدء أن هذا التعبير ليس ماركسيا بشكل خاص. فالعبارة نفسها يمكننا العثور عليها ، في سياقات مختلفة ، في كتابات كانط وهيردر وفيورباخ وبرونو باور وهاينريش هاينه......

ماركس...

وعلاوةً على ذلك، فإن من شأن قراءة متأنية لمجمل فقرة ماركس التي يظهر فيها تعبير " الدين أفيون الشعب " أن تبين أن كاتبها أكثر إدراكا لدرجات الألوان مما هو شائع عنه .فهو يأخذ في اعتباره الطابع المزدوج للدين : "إن الهم الديني هو في الوقت نفسه تعبير عن هم واقعي واحتجاج علي هم واقعي . إن الدين هو آهة الخليقة المضطهدة ، هو قلب عالم لا قلب له ، مثلما هو روح وضع بلا روح . إنه أفيون الشعب "

وإذا ما قرأنا مجمل البحث الذي ترد فيه هذه الفقرة - والذي يحمل عنوان " نحو نقد لفلسفة الحق الهيجلية "، والمكتوب في عام 1844 - فسوف يتكشف لنا بوضوح أن رأى ماركس يدين للهيجلية الجديدة اليسارية ، التي اعتبرت الدين اغترابا للجوهر الإنساني ، بأكثر مما يدين لفلسفة التنوير التي ترجع إلي القرن الثامن عشر، والتي أدانت الدين بوصفه مؤامرة إكليركية لا أكثر ولا اقل. والواقع أن ماركس عندما كتب الفقرة الأنفة كان لا يزال تلميذا لفيورباخ، هيجلياً جديدا . ومن ثم فإن تحليله للدين كان "قبل ماركسي "، لا يتميز بأية إحالة طبقية. علي أنه مع ذلك جدليا لأنه قد استوعب الطابع المتناقض للظاهرة الدينية : فهي في بعض الأحيان تمثل إضفاء للشرعية علي المجتمع القائم وهي في بعض الأحيان تمثل احتجاجا عليه . ولم تبدأ الدراسة الماركسية المحددة للدين بوصفه علاقة اجتماعية وتاريخية إلا فيما بعد - خاصة مع مخطوط "الأيديولوجية الألمانية" ( 1846) . وقد تضمنت تلك الدراسة تحليلا للدين بوصفه أحد الأشكال الكثيرة للإيديولوجية ، الإنتاج الروحي لشعب ما ،إنتاج الأفكار والتمثيلات والوعي - والتي تعتبر كلها بالضرورة مشروطة بالإنتاج المادي والعلاقات الاجتماعية المتناسبة معه ، علي أن ماركس ، منذ تلك اللحظة فصاعدا ، لم يول اهتماما كبيرا للدين بصفته هذه ، أي بصفته كونا ثقافيا /أيديولوجيا نوعيا للمعنى .

وإنجلز...

أبدى فرديريك إنجلز اهتماما بالظاهرة الدينية وبدورها التاريخي يفوق اهتمام ماركس بهما بكثير . وتتمثل مساهمة إنجلز الرئيسية التي قدمها إلى الدراسة الماركسية للأديان في تحليله لعلاقة التمثيلات الدينية بالصراع الطبقي . وفيما وراء المناظرة الفلسفية (المادية ضد المثالية) حاول فهم وتفسير التجليات الاجتماعية الملموسة للأديان . فالمسيحية لم تعد تبدو في نظره ( مثلما كانت تبدو في نظر فيورباخ ) بوصفها "جوهرا " منفصلا عن الزمن ، بل هي تبدو بوصفها شكلا ثقافيا يتعرض لتحولات في العصور التاريخية المختلفة : فهي تبدو في البداية بوصفها ديانة للعبيد ، ثم بوصفها أيديولوجية دولة في الإمبراطورية الرومانية، ثم بوصفها أيديولوجية ملائمة للهيراركية الإقطاعية واخيرا بوصفها أيديولوجية تتميز بالتكيف مع المجتمع البورجوازي . وهي تظهر من ثم بوصفها فضاء رمزيا تتنازع عليه قوي اجتماعية متناحرة : اللاهوت الإقطاعي والبروتستانتية البورجوازية والهرطقات الشعبية . وفي بعض الأحيان كان تحليله يزل في اتجاه تفسير نفعي ، ذرائعي ، بشكل ضيق للحركات الدينية : "....إن كل طبقة من الطبقات المختلفة تستخدم الدين الملائم لها ... ولا أهمية تذكر لما إذا كان هؤلاء السادة يؤمنون بالأديان التي يتبناها كل منهم أم لا " ويبدو أن إنجلز لا يري في صور الإيمان المختلفة غير" الستار الديني" للمصالح الطبقية . لكن إنجلز بفضل منهجه الذي يؤكد علي الصراع الطبقي، قد أدرك - خلافا لفلاسفة التنوير - أن النزاع بين المادية والدين لا يتطابق دائما مع الصراع بين الثورة والرجعية. فنحن نجد ، علي سبيل المثال ، في إنجلترا في القرن الثامن عشر ، أن المادية ممثلة في شخص هوبز قد دافعت عن الملكية المطلقة في حين أن الشيع البروتستانتية قد استخدمت الدين كراية لها في النضال الثوري ضد آل ستيوارت. وبالشكل نفسه، بدلا من اعتبار الكنيسة كلا متجانسا من الناحية الاجتماعية قدم تحليلا رائعا يبين كيف أن الكنيسة قد انقسمت في بعض المنعطفات التاريخية بحسب تركيبها الطبقي . وهكذا فخلال زمن الإصلاح ،كان علي أحد الجانبين كبار رجال الدين ، القمة الإقطاعية للهيراركية، وكان علي الجانب الآخر صغار رجال الدين ، الذين جاء من بين صفوفهم إيديولوجيو الإصلاح وإيديولوجيو الحركة الفلاحية الثورية.

ومع كون إنجلز ماديا، " ملحدا "، وعدوا لدودا للدين ، فانه قد أدرك ، شأنه في ذلك شأن ماركس الشاب ، الطابع المزدوج للظاهرة الدينية : دورها في إضفاء الشرعية علي النظام القائم ، ولكن أيضا ، تبعا للظروف الاجتماعية ، دورها الانتقادي والاحتجاجي ، بل والثوري . وعلاوة علي ذلك، فإن معظم الدراسات الملموسة التي كتبها قد ركزت علي هذا الجانب الثاني : حيث تركزت ، بالدرجة الأولي ، علي المسيحية الأولى، ديانة الفقراء والمنبوذين والمهانين والمضطهدين والمقهورين . فقد جاء المسيحيون الأوائل من أدنى مستويات المجتمع : العبيد ، الأحرار الذين حرموا من حقوقهم ، وصغار الفلاحين الذين رزحوا تحت نير الديون.

بل إن إنجلز قد مضي إلى حد رسم تواز مثير بين هذه المسيحية الأولى والاشتراكية الحديثة :
( أ ) إن الحركتين الكبيرتين ليستا من عمل زعماء وأنبياء- مع أن الأنبياء ليسوا بالمرة قليلين في أي منهما -بل هما حركتان جماهيريتان،
( ب )إن كليهما حركات مضطهدين ، يعانون من القهر والمنتمون إليهما يتعرضون للتشريد والملاحقة من جانب السلطات الحاكمة،
( ج ) أن كليهما يدعوان إلى تحرر وشيك من العبودية والبؤس . وسعيا إلى زخرفة مقارنته ، نجد أن إنجلز يتجه ، بشكل مثير إلى حد ما ، إلي الاستشهاد بقول مأثور للمؤرخ الفرنسي رينان : " إذا أردتم تكوين فكرة عما كانت عليه حال الجماعات المسيحية الأولي ، انظروا إلي شعبة محلية لرابطة العمال الأممية".

ويري إنجلز أن الفارق بين الحركتين يتمثل في أن المسيحيين الأوائل قد نقلوا الخلاص إلي الآخرة بينما تتصوره الاشتراكية في هذا العالم الدنيوي .

ولكن هل يعتبر هذا الفارق واضحا بالدرجة التي يبدو بها للوهلة الأولي ؟ يبدو أنه قد اصبح مطموسا في دراسة إنجلز للحركة المسيحية الكبرى الثانية - " حرب الفلاحين في ألمانيا " - : فتوماس مونزر، وهو لاهوتي وقائد للفلاحين الثوريين والعوام الهراطقة في القرن السادس عشر، كان يريد تجسيدا فوريا علي الأرض لمملكة الرب ، مملكة الأنبياء الألفية السعيدة . ويري إنجلز أن مملكة الرب كانت بالنسبة لمونزر مجتمعا لا يعرف الفوارق الطبقية ولا الملكية الخاصة ولا سلطة دولة مستقلة عن أفراد ذلك المجتمع وغريبة عنه . علي أن إنجلز كان لا يزال ميالا إلى اختزال الدين إلي مستوي حيلة : فقد تحدث عن " صيغ " مونزر " الكلامية " المسيحية وعن " ستاره " الإنجيلي. ويبدو أنه قد غاب عن باله البعد الديني المحدد للنزعة الألفية المونزرية ، قوتها الروحية والأدبية ،وعمقها الصوفي المعيش معايشة صادقة .

وأيا كان الأمر ، فإن إنجلز ، بتحليله الظاهرة الدينية من منظور الصراع الطبقي ، قد أبرز القوة الاحتجاجية للدين وشق الطريق لنهج جديد - متميز عن كل من الفلسفة التنويرية التي ترجع إلي القرن الثامن عشر والهيجلية الجديدة الألمانية - لتناول العلاقة بين الدين والمجتمع .ومعظم الدراسات الماركسية في القرن العشرين عن الدين تقتصر إما علي تفسير أو تطوير للأفكار التي عرضها ماركس وإنجلز أو علي تطبيقها علي واقع محدد .

كاوتسكي ولينين ولوكسمبورج

تلك هي الحالة مثلا مع دراسات كارل كاوتسكي التاريخية عن المسيحية الأولى ، والهرطقات التي عرفتها العصور الوسطى ، وعن توماس مور وتوماس مونزر . وبينما يقدم لنا كاوتسكي نظرات ثاقبة وتفصيلات مهمة عن الأسس الاجتماعية والاقتصادية لهذه الحركات وعن طموحاتها المشاعية ، فإنه عادة ما يختزل معتقداتها الدينية إلي مستوى مجرد " قشرة " أو"حلة " " تخفي " محتواها الاجتماعي . وفي كتابه عن الإصلاح الألماني ، لا يبدد أي وقت في تناول البعد الديني للنزاع بين الكاثوليك واللوثريين والقائلين بتجديد العماد : واحتقارا منه لـ " المشاجرات اللاهوتية " بين هذه الحركات الدينية ، يري أن المهمة الوحيدة للمؤرخ هي " إرجاع نزاعات تلك الأزمنة إلى تناقضات المصالح المادية " .
وكان كثيرون من الماركسيين في الحركة العمالية الأوربية معادين بشكل جذري للدين لكنهم كانوا يرون أن المعركة الإلحادية ضد الأيديولوجية الدينية يجب أن تخضع للضرورات الملموسة للنضال الطبقي ، الذي يتطلب الوحدة بين العمال الذين يؤمنون بالرب وأولئك الذين لا يؤمنون به .
ولينين نفسه - الذي غالبا ما شجب الدين باعتباره " ضبابا صوفيا "- يؤكد في مقاله الذي يحمل عنوان " الاشتراكية والدين " (1905) علي أن الإلحاد لا يجب أن يكون جزءاً من برنامج الحزب لأن " الوحدة " في النضال الثوري الذي تخوضه الطبقة المقهورة من أجل خلق فردوس على الأرض أهم بالنسبة لنا بكثير من وحدة الرأي البروليتاري حول الموقف من فكرة الفردوس في السماء".

وقد تقاسمت روزا لوكسمبورج هذا الرأي ، لكنها طورت نهجا مختلفا وأكثر مرونة، فعلي الرغم من أنها كانت هي نفسها ملحدة ، فقد هاجمت في كتاباتها السياسة الرجعية للكنيسة - باسم تراثها - بأكثر مما هاجمت الدين . وفي بحث كتب في عام 1905 ، (الكنيسة والاشتراكية ) قالت أن الاشتراكيين الجدد اكثر إخلاصا للمبادئ الأصلية للمسيحية من رجال الدين المحافظين المعاصرين. وبما أن الاشتراكيين يناضلون من أجل نظام اجتماعي يتميز بالمساواة والحرية والإخاء ، فإن القساوسة ، إذا كانوا يريدون مخلصين أن يطبقوا في حياة البشرية المبدأ المسيحي الذي يدعو إلي أن يحب المرء جاره حبه لنفسه ، يجب أن يرحبوا بالحركة الاشتراكية . فعندما يؤيد رجالُ الدينِ الأغنياءَ ، الذين يستغلون ويضطهدون الفقراء ، فإنهم يكونون في تناقض سافر مع التعاليم المسيحية : إنهم يخدمون العجل الذهبي لا المسيح . وكان رسل المسيحية الأوائل مشاعيين متحمسين. وقد حجب آباء الكنيسة ( مثل بازيل الأكبر ويوحنا كريسوستوم ) الظلم الاجتماعي. وهذه القضية تتولاها اليوم الحركة الاشتراكية التي تحمل إلي الفقراء إنجيل الإخاء والمساواة ، وتدعو الشعب إلي إنشاء مملكة الحرية وحب الجار علي الأرض . وبدلا من خوض معركة فلسفية باسم المادية ، تحاول روزا لوكسمبورج استنقاذ البعد الاجتماعي للتراث المسيحي لحساب الحركة العمالية .

وكان الماركسيون النمساويون ، أوتو باور وماكس أدلر ، إلخ ، أقل عداوة للدين بكثير من زملائهم الألمان أوالروس . ويبدو أنهم قد اعتبروا الماركسية متماشية مع شكل ما للدين ، لكن ذلك يشير أساسا إلي الدين بوصفه " عقيدة فلسفية " ( ذات إلهام كانطي جديد ) وليس إلي تقاليد دينية تاريخية ملموسة .

الأممية الشيوعية

لم يول اهتمام كبير للدين في الأممية الشيوعية . وقد انضم عدد كبير من المسيحيين إلى الحركة ، وخلال العشرينيات ، نجد أن قساً بروتستانتياً سويسرياً سابقا ، هو جول أمبير - دروز ، قد أصبح واحدا من قادة الكومنترن ( الأممية الشيوعية ) الرئيسيين . وكانت الفكرة السائدة بين الماركسيين آنذاك هي أن المسيحي الذي صار اشتراكياً أو شيوعياً إنما يعتبر بالضرورة متخلياً عن معتقداته الدينية "اللاعلمية " و "المثالية " السابقة . وعمل برتولد بريشت المسرحي الجميل الذي يحمل عنوان " جان الجزارات " (1932) هو مثال جيد لهذا النوع من التناول التبسيطي لتحول المسيحيين إلي النضال من أجل التحرر البروليتاري . ويصف بريشت بشكل بالغ الذكاء العملية التي تكتشف عبرها جان ، وهي قائدة لجيش الخلاص ، حقيقة الاستغلال والظلم الاجتماعي وتموت متنكرة لمعتقداتها السابقة . إلا أنه لابد من أن توجد بالنسبة له قطيعة مطلقة وكاملة بين إيمانها المسيحي السابق وإيمانها الجديد بالنضال الثوري . وقبيل موتها مباشرة تقول جان للشعب : " إن جاءكم أحدا يوم ما ليقول أن هناك رباً ، وإن كانت لا تدركه الأبصار ، يمكنكم انتظار عونه ، ارجموه بحجر علي رأسه دون رحمة إلي أن يموت " .وفي هذا النوع من المنظورات " المادية " الفجة - وغير المتسامحة بالمرة - ضاعت بصيرة روزا لوكسمبورج النافذة ، التي رأت أن بوسع المرء النضال من أجل القيم الحقيقية للمسيحية الأصلية . والواقع أنه قد ظهرت في فرنسا ( 1936 - 1938 ) ، بعد سنوات قليلة من كتابة بريشت لهذه المسرحية ، حركة للمسحيين الثوريين تجمع عدة آلاف من المناضلين الذين ساندوا الحركة العمالية بنشاط ، خاصة جناحها الأكثر جذرية ( جناح الاشتراكيين اليساريين الذين تزعمهم مارسو بيفير ) . وكان شعارهم الرئيسي " نحن اشتراكيون لأننا مسيحيون " .

جرامشي

من بين زعماء ومفكري الحركة الشيوعية ، من الأرجح أن جرامشي هو الوحيد الذي أبدى الاهتمام الأكبر بالمسائل الدينية .كما أنه أحد الماركسيين الأوائل الذين حاولوا فهم الدور المعاصر للكنيسة الكاثوليكية وثقل الثقافة الدينية بين الجماهير الشعبية وملاحظاته عن الدين التي سجلها في " دفاتر السجن " ذات طابع متناثر ومبعثر وتلميحي ، لكنها في الوقت نفسه جد نافذة . والواقع أن نقده الحاد الساخر لأشكال الدين المحافظة - خاصة النوع اليسوعي من الكاثوليكية ، الذي كان يمقته من صميم فؤاده - لم يحل بينه وبين أن يدرك أيضا البعد الطوباوي للأفكار الدينية " .... إن الدين هو أضخم " ميتافيزيقا " عرفها التاريخ حتى الآن ، لأنه أضخم محاولة للتوفيق ، في شكل ميثولوجي ، بين التناقضات الفعلية للحياة التاريخية . فالواقع أنه يؤكد أن البشرية لها " طبيعة " واحدة ، أن الإنسان ... بقدر ما أنه قد خلقه الرب ، ابن الرب ، هو من ثم أخٌ للبشر الآخرين ومثلهم ... ، لكنه يؤكد أيضا أن ذلك كله لا ينتمي إلى هذا العالم ، بل إلي عالم آخر (اليوتوبيا ) . وهكذا فإن أفكار المساواة والإخاء والحرية تنبجس بين البشر... وهكذا فإن هذه المطالب قد طرحت دائما في كل تحرك جذري للجماهير ، علي نحو آخر ، بأشكال خاصة وبأيديولوجيات خاصة " كما أكد علي التمايزات الداخلية للكنيسة وفقا للتوجهات الإيديولوجية - تيارات ليبرالية ويسوعية وأصولية داخل الثقافة الكاثوليكية - ووفقا للطبقات الاجتماعية المختلفة :
" إن كل دين ... هو في الواقع عديد من الأديان المختلفة والمتناقضة غالبا : فهناك كاثوليكية للفلاحين وكاثوليكية للبرجوازية الصغيرة وعمال المدن وكاثوليكية للمرأة وكاثوليكية للمثقفين .... "

وتتصل معظم ملاحظاته بتاريخ ودور الكنيسة الكاثوليكية الحالي في إيطاليا : تعبيرها الاجتماعي والسياسي من خلال جماعة العمل الكاثوليكي وحزب الشعب ، وعلاقتها بالدولة وبالطبقات التابعة ، إلخ . وقد اهتم علي نحو خاص بأسلوب تجنيد المثقفين التقليديين واستخدامهم كأدوات للهيمنة من جانب الكنيسة :
" مع أنها قد نظمت آلية مثيرة للاختيار " الديموقراطي" لمثقفيها ، فإنهم قد اختيروا كأفراد فرادى وليس كتعبير تمثيلي عن الجماعات الشعبية " .

بلوخ

إن تحليلات جرامشي ثرية ومحركة للتأمل ، لكنها ، في التحليل الأخير ، لا تجدد في منهج تناول الدين . وإرنست بلوخ هو الكاتب الماركسي الأول الذي غير الإطار النظري جذريا - دون أن يتخلي عن المنظور الماركسي والثوري . وبأسلوب مماثل لأسلوب إنجلز ، ميز بين تيارين متعارضين من الناحية الاجتماعية : من جهة ، دين الكنائس الرسمية الثيوقراطي ، أفيون الشعب ، جهاز تضليلي يخدم الأقوياء ، ومن الجهة الأخرى ، الدين السري ، الهدام والخارج الذي عرفه الألبيجينسيون ( شعبة دينية ظهرت في فرنسا بين عامي 1020- 1250 ، وتعرضت للقمع بتهمة الهرطقة - المترجم ) والهوسيون ( أتباع يان هوس (1369؟- 1415) المصلح الديني في بوهيميا ، والذي احرق بتهمة الهرطقة - المترجم ) ويواقيم الفلوري وتوماس مونزر وفرانتس فون بادر ، وفيلهيلم فايتلينج وليو تولستوي . علي أن بلوخ ، خلافا لإنجلز ، رفض اعتبار الدين مجرد " ستار " لمصالح طبقية - وقد انتقد هذا المفهوم بشكل صريح ، وإن كان قد رده إلي كاوتسكي وحده ... فالدين في أشكاله الاحتجاجية والمتمردة هو أحد أهم أشكال الوعي الطوباوي ، أحد أغنى التعبيرات عن مبدأ الأمل . واللاهوت اليهودي - المسيحي عن الموت والخلود - الكون الديني الأثير لدى بلوخ - إنما يرمز ، من خلال قدرته علي التوقع الإبداعي ، إلي الفضاء الخيالي لما لم يأت بعد .
واستناداً إلي هذه التصورات ، يطرح بلوخ تفسيرا غير أرثوذكسي وخارجا علي الأعراف التقليدية للكتاب المقدس - بعهديه القديم والجديد - مقدما إنجيل الفقراء ، الذي يدين الفراعنة ويدعو الجميع إلي الاختيار بين قيصر والمسيح .

والواقع أن بلوخ، وهو ملحد ديني - يرى أن الملحد هو وحده الذي يمكنه أن يصبح مسيحيا صالحا وأن المسيحي الصالح وحده هو الذي يمكنه أن يصبح ملحدا. ولاهوتي الثورة ، لم يقدم مجرد قراءة ماركسية للنزعة الألفية (مقتفيا أثر إنجلز في ذلك ) بل قدم أيضا - وهذا هو الجديد ، تفسيرا ألفيا للماركسية ، حيث يجرى اعتبار النضال الاشتراكي من أجل مملكة الحرية وريثا مباشرا لهرطقات الماضي الأخروية والجماعية .

وبطبيعة الحال فإن بلوخ ، شأنه في ذلك شأن ماركس الشاب الذي كتب فقرة 1844 الشهيرة ، قد ميز الطابع المزدوج للظاهرة الدينية ، جانبها القهري وكذلك قدرتها علي التمرد . ويتطلب الجانب الأول استخدام ما يسميه ب " تيار الماركسية البارد " : التحليل المادي الذي لا يكل للأيديولوجيات والأوثان والوثنيات . علي أن الجانب الثاني يتطلب " تيار الماركسية الدافئ"، الذي بسعي إلي استنقاذ الفائض الثقافي الطوباوي في الدين ، قوته الانتقادية والتوقعية . وبعيدا عن أي " حوار"، كان بلوخ يحلم باتحاد حقيقي بين المسيحية والثورة، مثلما حدث في حرب الفلاحين في القرن السادس عشر .

وإلي حد ما ، كان بعض أعضاء مدرسة فرانكفورت يتقاسمون آراء بلوخ . فقد رأى ماكس هوركهايمر أن " الدين هو سجل رغبات وأشواق واحتجاجات أجيال لا حصر لها". وفي كتابه "عقيدة المسيح" ( 1930 ) ، استخدم إيريك فروم الماركسية والتحليل النفسي لتوضيح جوهر المسيحية الأولى الخلاصي والشعبي والمساواتي والمعادي للتسلط. وقد حاول فالتر بنيامين أن يؤلف ، في تركيب فريد وأصيل ، بين اللاهوت والماركسية ، بين الخلاصية اليهودية والمادية التاريخية .

جولدمان

ويعتبر عمل لوسيان جولدمان محاولة رائدة أخرى لتجديد التناول الماركسي للدين. ومع أن مصادر إلهام جولدمان تختلف اختلافا بينا عن مصادر الهام بلوخ ، إلا أنه قد اهتم هو إيضاً برد الاعتبار إلى القيمة الأخلاقية والإنسانية للتراث الديني . وقد طور في كتابه " الرب المحتجب " ( 1955 ) تحليلا سوسيولوجيا جد مرهف ومبتكر للهرطقة اليانسنية ( بما في ذلك مسرح راسين وفلسفة باسكال ) بوصفها فلسفة مأساوية ، تعبر عن الوضع الخاص لشريحة اجتماعية ( نبلاء الرداء ) في فرنسا في القرن السابع عشر.علي أن الجزء الأكثر إثارة للدهشة والأكثر أصالة في هذا العمل هو المحاولة الرامية إلي المقارنة بين الإيمان الديني والإيمان الماركسي - دون دمجهما : فكلاهما يرفضان النزعة الفردية الخالصة ( العقلانية أو التجريبية ) وكلاهما يؤمنان بقيم فوق فردية - الرب بالنسبة للدين والجماعة الإنسانية بالنسبة للاشتراكية . ويوجد تناظر مماثل بين الرهان الباسكالي علي وجود الرب والرهان الماركسي علي تحرر الإنسانية : إن كليهما يفترضان المجازفة ، وخطر الفشل وأمل النجاح . وكلاهما ينطويان علي إيمان أساسي معين لا يمكن إثباته علي مستوى الأحكام الواقعية وحده . وبطبيعة الحال فإن ما يفصل بينهما هو الطابع فوق الطبيعي أو فوق التاريخي للتسامي الديني. ودون أن يهدف بأية حال إلى " إضفاء طابع مسيحي على الماركسية " أدخل جولدمان أسلوبا جديدا للنظر إلى العلاقة الصراعية بين الإيمان الديني والإلحاد الماركسي .
لقد رأى ماركس وإنجلز أن الدور الانتقادي الذي لعبه الدين هو شيء ينتمي إلى الماضي ، لم تعد له أية أهمية في عصر الصراع الطبقي الحديث . وقد تأكد هذا التوقع من الناحية التاريخية إلى هذا الحد أو ذاك علي مدار قرن - فيما عدا استثناءات مهمة قليلة (خاصة في فرنسا) : حركة الاشتراكيين المسيحيين في الثلاثينيات ، حركة القساوسة العمال في الأربعينيات ، يسار النقابات المسيحية (الاتحاد الفرنسي للعمال المسيحيين) في الخمسينيات ، إلخ . إلاَّ أنه لفهم ما كان يحدث خلال السنوات الثلاثين الماضية في أمريكا اللاتينية - وفي الفلبين أيضا وبدرجة اقل في قارات أخري - فإننا بحاجة إلي أن ندمج في تحليلنا رؤى بلوخ (وجولدمان) الثاقبة حول الطاقة الطوباوية للتراث اليهودي - المسيحي .

مجلة القاهرة
العدد 134
يناير 1994

الخميس، 26 أغسطس 2010

من هم اللبيراليون العرب الجدد،، وما هو خطابهم؟؟؟


ظهر التيار الليبرالي العربي أو التيار العقلاني التنويري في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على أيدي جيلين من المفكرين التنويريين. فكان الجيل الأول يمثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي وشبلي شميّل وفرح أنطون وغيرهم. وظهر الجيل الثاني في بداية القرن العشرين وكان يمثل طه حسين وقاسم أمين ومحمد حسن الزيات وتوفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل وغيرهم. وهؤلاء جميعاً اشتركوا في تيار فكري وسياسي واحد كان ينادي بالمباديء التالية:

- حرية الفكر المطلقة.

- حرية التدين المطلقة.

- حرية المرأة ومساواتها بالحقوق والواجبات مع الرجل.

- التعددية السياسية.

- المطالبة بالإصلاح الديني.

- المطالبة بالإصلاح التعليمي والسياسي.

- فصل الدين عن الدولة. وكان هذا المطلب خاصاً بالجيل الثاني لليبراليين العرب في مطلع القرن العشرين.

- اخضاع المقدس والتراث للنقد العلمي.

- تطبيق الاستحقاقات الديمقراطية.

-2-

وفي النصف الثاني من القرن العشرين ظهر تيار تنويري ليبرالي قادته مجموعات كبيرة من النخب الثقافية في العالم العربي استعرضنا فكرها في كتابنا (الفكر العربي في القرن العشرين 1950- 2000) في أجزائه الثلاثة التي صدرت في 2001 . وكانت هذه النخب تتبنى خطاب التنويريين العرب في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتضيف عليه المبادئ التالية:

- محاربة المجتمعات الديكتاتورية العسكرية والقبلية والحزبية المتسلطة التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين بعد الاستقلال، وأحدثت ما نُطلق علية "كوارث الاستقلال".

- المناداة باقامة المجتمع المدني.

- احياء دعوة الاصلاح الديني من جديد.

- التأكيد على العلمانية، وفصل الدين عن الدولة.

وفي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين وبعد 11 سبتمبر 2001 على وجه الخصوص، الذي يعتبر فاصلاً تاريخياً عربياً كما هو من الفواصل التاريخية الأمريكية أيضاً كما بيّنا في الجزء الأول من هذا المقال، ظهر جيل جديد من الليبراليين أطلق عليهم الإعلام العربي "الليبراليون الجدد". وهؤلاء نادوا بعصر تنوير جديد، وهو مقدمة لفلسفة المستقبل، وتبنوا أفكار التنويريين الذين جاءوا في القرن التاسع عشر، والذين جاءوا في بداية القرن العشرين، وكذلك أفكار الليبراليين الذين جاءوا في النصف الثاني من القرن العشرين، وأضافوا إليها المبادئ التالية من خلال مواقفهم ومن خلال ما يكتبون، والتي تعتبر بمثابة مسودة أولى لمانيفستو الليبراليين الجدد:

1- المطالبة باصرار بالإصلاح التعليمي الديني الظلامي، في ظل سيادة الارهاب الديني، بعد أن تم خطف الإسلام وتزويره، وأدلجته أدلجة دموية مسلحة.

2- الدعوة إلى محاربة الارهاب الديني والقومي السياسي والدموي المسلح بكافة أشكاله.

3- تأكيد اخضاع المقدس والتراث والتشريع والقيم الأخلاقية للنقد العميق، وتطبيق النقد العلمي العقلاني بموجب مبدأ الجينيالوجياGenelogy الذي يتلخص بالسؤال التأويلي (من؟) وبالسؤال التقويمي (لماذا؟)، وبحيث يكون النقد تأويلاً وتقويماً لا مجرد سخرية وسباب، باعتبار أن الجينيالوجيا هي أداة وعي الحداثة، حيث يصبح النقد الحقيقي سبيلاً إلى الرشد الحقيقي.

4- اعتبار موقف الدين العدائي من الآخرين موقفاً جاء بناء على ظروف سياسية واجتماعية معينة قبل خمسة عشر قرناً، ولم تعد هذه الظروف قائمة الآن، وانما تغيرت تغيراً كلياً، ولذا، يجب عدم الاستعانة مطلقاً بالمواقف الدينية التي جاءت في الكتاب المقدس تجاه الآخرين قبل خمسة عشر قرناً لمهاجمة الآخرين الآن وسفك دمائهم. فالمصالح متغيرة، والمواقف متغيرة. والتغير هو سُنّة الحياة.

5- اعتبار الأحكام الشرعية أحكاماً وضعت لزمانها ومكانها، وليست أحكاماً عابرة للتاريخ كما يدعي رجال الدين، ومثالها الأكبر حجاب المرأة، وميراث المرأة، وشهادة المرأة.. الخ.

6- إن الفكر الديني وهو الفكر الذي جاء به علماء الدين وفقهاؤه ورجاله وليس الدين الرسولي نفسه، يقف حجر عثرة أمام الفكر الحر وتطوره، كما يقف حجر عثرة أمام ميلاد الفكر العلمي.

7- لا ولاء مطلقاً للماضي المحكوم بماضيه فقط، ولا انغلاق عليه. وفهم الحاضر يدفعنا إلى إعادة النظر في قيم الماضي، وضرورة خلق المستقبل الذي هو لبّ الحداثة.

8- لا يمكن انتاج الحاضر بتاريخ الماضي، وانما بتاريخ الحاضر، والمستقبل كذلك. وشرط تخطي الماضي قائم في الحاضر، وليس في الماضي. وخاصة ماضينا وتراثنا الثقافي الذي أقام مجزرة معرفية لنفسة بنفسه، وعادى الفلسفة بقيادة ابن تيمية والسيوطي وابن القيم الجوزية وغيرهم، وطرد العقل، واضطهد المعتزلة، وأغلق باب الاجتهاد، وحرّم علم الكلام، ونفى أصحاب المنطق، ووضع النصوص الدينية المزوّرة التي تحارب الفلسفة والحكمة وإعمال العقل (من تمنطق فقد تزندق)، وألغى العلوم الطبيعة والطب واعتبرها "علوماً دخيلة"، واستبدل بها العلوم الدينية والطب النبوي حتى أصبح النبي أشهر وأحذق من أبي الطب أبوقراط، وحرّم الموسيقا والغناء والنحت والرسم والشعر، وكافة أشكال الفنون الإنسانية الرفيعة. فكيف يمكن الاستعانة بهذا الماضي للعبور من الحاضر إلى المستقبل؟

9- إن ضعفنا، وهزالنا، وقلة معرفتنا، وعجزنا العلمي والعقلاني هو الذي يؤدي بنا إلى الاتجاه إما إلى الماضي للاستعانة به لبناء الحاضر، وهو أسوأ الخيارات، حيث لا يملك الماضي إلا ماضيه فقط الذي انتهت صلاحيته في وقت مضى، ولم يعد صالحاً للحاضر، وإما اللجوء إلى الخارج لبناء الحاضر، فهو أقل الخيارات سوءاً .

10- على العرب أن يتخلوا عن المثل الأعلى الموهوم الذي يتقمصوه تخيلاًً، ومكابرة، واستعلاء، وانتفاخاً كانتفاخ الطواويس (لنا الصدر دون العالمين أو القبر).

11- الاقرار بأن التاريخ محكوم بالقوانين وليس بهوى الشعوب ولا بخيالها ولا بتعلقها بماضيها. ولا شعب يقدر على تشكيل التاريخ حسب رغبته بالعودة إلى الوراء، واستعادة أمجاد سالفة ومدنية وحضارة سابقة. وأن الكمال البشري كما قال قاسم أمين ليس موجوداً في الماضي.

12- الايمان بأن اغتراب العقل لا يحقق غير سيادة الهمجية والغوغائية والمجتمع الدموي.

13- طرح أسئلة على كافة المستويات لم يسبق طرحها في الماضي من قبل تنويريي القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، بدءاً من الأفغاني وانتهاءً بطه حسين، وكسر جوزة المسكوت عنه,

14- تبني الحداثة العربية تبنياً كاملاً باعتبارها هي التي تقود إلى الحرية. والتفريق بين الحداثة الغربية والحداثة العربية. فلكل أمة حداثتها الخاصة بها.

15- تحرير النفس العربية من أوهامها، ومن السحر والتعاويذ والشعوذة التي تحيط بها.

16- تحرير النفس العربية من ماضيها، ومن حكم الأسلاف الذين ما زالوا يحكموننا من قبورهم.

17- عدم ادّعاء المعرفة المطلقة والأحكام النهائية. وأن لا وجود لعلم مطلق، وضرورة أن نظل منفتحين على الحقيقة.

18- خلق شخصية عربية جديدة متحولة من العنف والذل واللاعقلانية والدروشة والقبلية والعرقية إلى شخصية عقلانية واقعية علمية وطنية لا عرقية.

19- العودة إلى الذات ونقدها، والعودة إلى الوعي بالذات لا كأفراد ولكن كأمة. ولا يكفي أن نهزم الأساطير، ولكن علينا ملاحقة ظلالها في الكهوف والمغارات أيضاً.

20- عدم الحرج من الاستعانة بالقوى الخارجية لدحر الديكتاتورية العاتية واستئصال جرثومة الاستبداد وتطبيق الديمقراطية العربية، في ظل عجز النخب الداخلية والأحزاب الهشة عن دحر تلك الديكتاتورية وتطبيق تلك الديمقراطية. وهذه ليست سوابق تاريخية فقد استعانت أوروبا بأمريكا لدحر النازية والفاشية العسكرتاريا اليابانية في الحرب العالمية الثانية، وقامت أمريكا بتحرير أوروبا، كما قامت بتحرير الكويت والعراق.

21- لا حرج من أن يأتي الإصلاح من الخارج، ولكن بالطرق الديبلوماسية، والمهم أن يأتي سواء أتى على ظهر جمل عربي، أو على ظهر دبابة بريطانية أو بارجة أمريكية أو غواصة فرنسية. وقد سبق للفيلسوف العربي القديم (الكندي) أن قال بأن "علينا أن نأخذ الحقيقة من أي كان سواء كان مشاركاً لنا في الملّة أو لا".

22- الايمان بأن لا حلَّ للصراع العربي مع الآخرين سواء في فلسطين أو خارجها إلا بالحوار والمفاوضات والحل السلمي في ظل عدم تكافؤ موازين القوى العسكرية والعلمية والاقتصادية والعقلية بين العرب وأعدائهم.

23- الايمان بالتطبيع السياسي والثقافي مع الأعداء، والاعتراف بالواقعية السياسية وما يجرى على أرض الواقع العربي السياسي، وعدم دفن الرؤوس في رمال الصحاري العربية المحرقة والمهلكة. وأن التطبيع والتلاقح بين الشعوب والثقافات هو الطريق إلى السلام الدائم في الشرق الأوسط. وأن اتفاقيات السلام كاتفاقية كامب ديفيد 1979 ، واتفاقية اوسلو 1993 ، واتفاقية وادي عربة 1994 يجب أن تصبح اتفاقيات شعبية بين الشعوب، بدلاً من أن تكون اتفاقيات دول فقط، ولا علاقة للشعوب بها. فذلك ضياع للوقت وللمصالح وتزوير للحقائق السياسية القائمة على أرض الواقع سواء رفضنا أم قبلنا. وأن نفور الانتلجنسيا العربية الممزقة من جهة والرثة من جهة أخرى من التطبيع، لن يلغي احتمالات السلام الحتمية في المنطقة، والذي هو السبيل التي التغيير الشامل.

24- الوقوف إلى جانب العولمة وتأييدها، باعتبارها أحد الطرق الموصلة إلى الحداثة الاقتصادية العربية التي يمكن أن تقود إلى الحداثة السياسية والثقافية.

25- المطالبة بمساواة المرأة مع الرجل مساواة تامة في الحقوق والواجبات والعمل والتعليم والإرث والشهادة. وتبنّي مجلة الأحوال الشخصية التونسية التي صدرت 1957 والتي تعتبر النموذج العربي الأمثل لتحرير المرأة العربية، دون الحاجة إلى تبني قيم الغرب في تحرير المرأة، ومساواتها بالرجل.

-3-

وبعد هذا الخطاب (المانيفستو) الذي نكشف عنه لأول مرة بهذه الصياغة الأولية لليبراليين العرب الجدد، ما هي العلاقة بينهم وبين المحافظين الجدد في أمريكا والتي يحاول الإعلام العربي وبعض المثقفين، ربط هذين الفريقين ببعضهما اساءة إلى كليهما، والحطّ من قدر كليهما، والاستخفاف بهما؟

وانطلاقاً من هذا الربط المزوّر بين المحافظين الأمريكيين الجدد وبين الليبراليين العرب الجدد، يطلق الإعلام العربي على الليبراليين الجدد ألقاباً وصفات دونية منها:

- إنهم يقومون بدور مقاولي الأنفار لإصدار صحف واذاعات تروّج للهيمنة الأمريكية، كما يقول موقع الإخوان المسلمين على الانترنت.

- إنهم كتاب المارينز، كما يصفهم الكاتب "السلفي الجديد" رشاد أبو شاور وغيره من السلفيين الجدد المقنعين بقناع الليبرالية الكاذبة.

- إنهم الليبراليون المتأمركون، كما يصفهم اسامة عبد الرحمن.

- إنهم من فاقدي الرؤيا السياسية المنافقين، كما يصفهم سيّد نصار.

- إنهم كتاب الطابور الخامس كما يصفهم كتاب حزب البعث.

والحقيقة أن لا علاقة سياسية ولا فكرية بين المحافظين الجدد في أمريكا وبين الليبراليين الجدد في العالم العربي فيما عدا نقاط ثلاث فقط، يلتقي فيها الليبراليون الجدد مع المحافظين الجدد، وهي:

- تحدي أمريكا لنظم الحكم الديكتاتورية.

- تعزيز ودعم الإصلاح السياسي وحرية السوق في العالم.

- أن قيم الحرية والديمقراطية وحرية السوق ليست حصراً ووقفاً على شعب دون الآخر.

وما عدا ذلك فكلا التيارين مختلفين. فالتيار الأول من المحافظين الجدد حكام وصُنّاع قرار، أما التيار الثاني من الليبراليين الجدد فهم مجموعة من المثقفين غير المنظمين، وغير المنخرطين في أي تنظيم سياسي أو ثقافي، ولا رابطة مادية لهم، ولا زعيم ولا قائد ولا شيخ ولا أمير لهم، ولا يملكون القرار السياسي. اضافة لذلك، فإن الليبراليين الجدد يخالفون المحافظين الجدد في الأفكار التالية:

- يخالف الليبراليون الجدد المحافظين الرافضين للحداثة. فالليبراليون الجدد يرحبون بالحداثة، ويعتبروا الحداثة المفتاح الحقيقي للتقدم، ودحر التخلف.

- يرفض الليبراليون الجدد دعوة المحافظين الجدد في استخدام الدين للسيطرة على الجموع.

- يرى الليبراليون الجدد، عكس المحافظين الجدد، أن الوسائل الديبلوماسية والسياسية والاقتصادية هي أنجع من القوة العسكرية في وقف العدائية والديكتاورية لدى البشرية. ومثال ذلك سقوط الاتحاد السوفياتي 1989، وانهيار جدار برلين، رمزي الديكتاتورية في الحرب الباردة، دون إراقة نقطة دم واحدة، أو إطلاق رصاصة واحدة.

- يرى الليبراليون الجدد، عكس المحافظين الجدد، أن الحرب الدائمة لا تولد الاستقرار.

- يرى الليبراليون الجدد أن السلام هو الحل المنشود، بينما يشكك المحافظون الجدد في عملية السلام.

- يؤيد الليبراليون الجدد بناء الدول التي تهدمها الصراعات السياسية بينما يعارض ذلك المحافظون الجدد.

- يؤمن المحافظون الجدد بالإرادة الأمريكية الخيرة المطلقة، بينما يرى الليبراليون الجدد أن الخير في ذلك يجب أن يقترن بالعدالة في المواقف السياسية والدعم المادي والعلمي المتوازن للأطراف المتصارعة

الخميس، 19 أغسطس 2010

تاكتيك نضال البروليتاريا الثوري


تاكتيك نضال البروليتاريا الثوري





لما كان ماركس قد ابصر جلياً منذ 1844-1845 احدى النواقص الاساسية في المادية القديمة، وهي ان المادية القديمة لم تعرف كيف تفهم شروط النشاط العملي الثوري ولا ان تقدر اهميته، فانه الى جانب اعماله النظرية قد اعار طوال حياته انتباهاً دائباً لمسائل تاكتيك نضال البروليتاريا الطبقي. ومن هذه الناحية تقدم جميع مؤلفات ماركس مراجع غنية، ولا سيما مراسلاته مع انجلس المنشورة عام 1913 في اربع مجلدات. ان هذه المراجع ما تزال بعيدة عن ان تكون كلها مجموعة ومصنفة ومدروسة ومعمقة. ولهذا يترتب علينا ان نكتفي هنا باعم الملاحظات واوجزها، مع الاشارة الى ان ماركس كان يعتبر بحق ان المادية اذا جردت من هذا الجانب كانت غير كاملة ووحيدة الجانب وعديمة الحيوية. لقد كان ماركس يحدد المهمة الاساسية لتاكتيك البروليتاريا بالتوافق الدقيق مع جميع مقدمات مفهومه المادي-الديالكتيكي. ان حسبان الحساب بشكل موضوعي لمجموع العلاقات بين جميع الطبقات في مجتمع معين دون استثناء، وبالتالي حسبان الحساب للدرجة الموضوعية لتطور هذا المجتمع وللعلاقات بينه وبين سائر المجتمعات، يمكن له وحده ان يكون اساساً لتكتيك صحيح للطبقة المتقدمة. وعليه ينظر الى جميع الطبقات وجميع البلدان لا من حيث مظهرها الثابت بل من حيث مظهرها المتحرك، اي لا في حالة الجمود بل في حالة الحركة (الحركة التي تنبثق قوانينها من الشروط الاقتصادية لمعيشة كل طبقة). والحركة بدورها ينظر اليها لا من وجهة نظر الماضي و حسب بل من وجهة نظر المستقبل ايضاً. وفضلاً عن ذلك ينظر اليها لا وفقاً للمفهوم المبتذل "للتطوريين" الذين لا يلاحظون سوى التحولات البطيئة بل وفقاً للديالكتيك. فقد كتب ماركس الى انجلس يقول: "في التطورات التاريخية الكبرى ليست عشرون سنة اكثر من يوم واحد مع انه قد تأتي فيما بعد ايام تضم في احشائها عشرين سنة" ("المراسلات"، المجلد الثالث، صفحة 167). وفي كل درجة من التطور، وفي كل لحظة يجب على تاكتيك البروليتاريا ان يأخذ بعين الاعتبار هذا الديالكتيك الحتمي موضوعياً لتاريخ الانسانية: وذلك من جهة باستخدام مراحل الركود السياسي اي مراحل التطور "الهادئ" ـ كما يزعم ـ الذي يتقدم بخطى السلحفاة من اجل تطوير الوعي و القوى و القدرة النضالية لدى الطبقة المتقدمة، ومن جهة اخرى بالاتجاه في كل هذا العمل نحو "الهدف النهائي" لحركة هذه الطبقة بجعلها قادرة على ان تحل عملياً المهمات الكبرى للايام العظيمة "التي تضم في احشائها عشرين سنة". ثمة بحثان لماركس بهذا الصدد يرتديان اهمية خاصة. الاول في كتابه "بؤس الفلسفة" ويتعلق بنضال البروليتاريا الاقتصادي وبمنظماتها الاقتصادية، وآلاخر في "البيان الشيوعي" ويتعلق بمهمات البروليتاريا السياسية. اما الاول فقد ورد كما يلي: "ان الصناعة الكبرى تجمع في مكان واحد جمهوراً من الناس لا يعرف بعضهم بعضاً. والمزاحمة تفرق مصالحهم. ولكن وقاية الاجرة، هذه المصلحة المشتركة بينهم ضد سيدهم، تجمعهم في فكرة واحدة فكرة المقاومة والتحالف...ان التحالفات تبدأ منعزلة ثم تتألف في جماعات، وبوجه الرأسمال المتجمع على الدوام، يغدو حفاظ العمال على اتحاداتهم اهم بنظرهم من وقاية الاجرة... وفي هذا النضال ـ هذه الحرب الاهلية الحقيقة ـ تتجمع و تتطور جميع العناصر الضرورية لمعركة مقبلة. وعند بلوغ هذه النقطة يأخذ التحالف طابعاً سياسياً". ان لدينا هنا برنامج وتاكتيك النضال الاقتصادي والحركة النقابية لبضع عشرات السنين، لكل المرحلة الطويلة من تحضير قوى البروليتاريا "لمعركة مقبلة". وتجدر المقارنة بين ذلك وبين اشارات ماركس وانجلس العديدة المبنية على تجربة الحركة العمالية الانجليزية، والتي تبين كيف ان "الازدهار" الصناعي يستثير محاولات "لشراء العمال" ("المراسلات، المجلد الاول، صفحة 136)، وصرفهم عن النضال، وكيف ان هذا الازدهار "يفسد معنويات العمال" بوجه عام (المجلد الثاني صفحة 218) وكيف ان البروليتاريا الانجليزية "تتبرجز"، وكيف ان "الامة الاكثر برجوازية بين الامم" (الامة الانجليزية) "تبدو كأنها تريد اخيراً ان يكون لديها، الى جانب البرجوازية، ارستقراطية برجوازية و بروليتاريا برجوازية" (المجلد الثاني، صفحة 290)، وكيف ان "الطاقة الثورية تتلاشى وتزول لدى البروليتاريا الانجليزية" (المجلد الثالث صفحة 124)، وكيف ينبغي الانتظار زمناً قد يطول الى هذا الحد او ذاك "لكي يتخلص العمال الانجليز مما يبدو عليهم من الفساد البرجوازي" (المجلد الثالث صفحة 127)، وكيف ان "حمية الشارتيين"([31]) مفقودة في الحركة العمالية الانجليزية (1866، المجلد الثالث، صفحة 305)، وكيف ان الزعماء العماليين الانجليز يشكلون نموذجاً وسطياً "بين البرجوازيين الراديكاليين والعمال" (تلميح الى هوليوك المجلد الرابع صفحة 209)، وكيف "ان العامل الانجليزي لن يتحرك" بسبب احتكار انجلترا ما دام هذا الاحتكار قائماً (المجلد الرابع، صفحة 433). ان تاكتيك النضال الاقتصادي بالارتباط مع السير العام (ومع النتيجة العامة) للحركة العمالية مدروس هنا من وجهة نظر واسعة شاملة ديالكتيكية على نحو رائع وثورية حقاً.

اما"البيان الشيوعي" فقد صاغ لتاكتيك النضال السياسي المبدأ الأساسي التالي للماركسية: "انهم (اي الشيوعيين) يكافحون في سبيل مصالح الطبقة العاملة واهدافها المباشرة، ولكنهم يدافعون في الوقت نفسه عن مستقبل الحركة". ومن اجل هذا ساند ماركس في 1848 حزب "الثورة الزراعية" في بولونيا (اي الحزب الذي اثار انتفاضة كراكوفيا في 1846)([32]). وفي 1848ـ 1849 ساند ماركس في المانيا الديمقراطية الثورية المتطرفة ولم يتراجع قط عما قاله حينذاك عن التاكتيك. وكان يعتبر البرجوازية الالمانية بمثابة عنصر "كان يجنح منذ البداية الى خيانة الشعب" (فقط التحالف مع جماهير الفلاحين كان بوسعه ان يتيح للبرجوازية بلوغ اغراضها كاملة) "والى اجراء مساومة مع الممثلين المتوجين للمجتمع القديم". و فيما يلي التحليل النهائي الذي اعطاه ماركس عن وضع البرجوازية الالمانية الطبقي في مرحلة الثورة البرجوازية الديمقراطية، مع العلم ان هذا التحليل هو نموذج للمادية التي تنظر الى المجتمع من حيث حركته وليس فقط من جانب الحركة المتجه نحو الماضي..."عادمة الايمان بنفسها (اي البرجوازية الالمانية ـ المعرب) عادمة الايمان بالشعب، متذمرة من الكبار، مرتجفة امام الصغار... خائفة من الاعصار العالمي...فاقدة العزيمة في اي مكان منتحلة في كل مكان... دون مبادرة... كعجوز تنيخ عليه اللعنة محكوم عليه بحكم مصالح شيخوخته بقيادة الاندفاعات الفتية الاولى لشعب فتي قوي" ("الجريدة الرينانية الجديدة"، 1848. انظر"التركة الادبية"، المجلد الثالث، صفحة 212). وبعد زهاء عشرين سنة كتب ماركس في رسالة الى انجلس (المجلد الثالث صفحة 224) ان فشل ثورة 1848 سببه ان البرجوازية كانت قد فضلت المسالمة مع العبودية على مجرد امكانية الكفاح في سبيل الحرية. وعندما اختتمت مرحلة ثورات 1848-1849، هب ماركس ضد كل محاولة للعب بالثورة (النضال ضد شابر وويليخ) مصراً على معرفة العمل في المرحلة الجديدة التي تهيء ثورات جديدة تحت ستار "سلم" ظاهري. ان تعليق ماركس التالي حول الوضع في المانيا في 1856 في مرحلة الرجعية الاشد اسوداداً يبين باية روح كان ماركس يرغب في ان يتم هذا العمل: "سيتوقف كل شيء في المانيا على امكانية دعم الثورة البروليتارية ،بطبعة ما، جديدة، لحرب الفلاحين" ("المراسلات" المجلد الثاني صفحة 108). وطالما لم تنته الثورة الديمقراطية (البرجوازية) في المانيا وجه ماركس كل انتباهه فيما يتعلق بتاكتيك البروليتاريا الاشتراكية الى تطوير طاقة الفلاحين الديمقراطية. وكان يعتبر ان موقف لاسال هو "موضوعياً خيانة للحركة العمالية في صالح بروسيا" (المجلد الثالث صفحة 210) و ذلك بالضبط لان لاسال يتسامح مع الملاكين العقاريين و التعصب القومي البروسي. وقد كتب انجلس في 1865 اثناء تبادل وجهات النظر مع ماركس بصدد مشروع بيان مشترك في الصحف يقول: "في بلد زراعي، من السفالة ان يصار باسم العمال الصناعيين الى تسديد الضربة الى البرجوازية فقط دون الاشارة الى استثمار العمال الزراعيين على الطريقة البطريركية (الابوية) و"تحت ضربات العصى" من جانب النبلاء الاقطاعيين" (المجلد الثالث، صفحة 217) 21. وفي الحقبة الممتدة من 1863 الى 1870 حينما كانت مرحلة الثورة البرجوازية الديمقراطية في المانيا تشرف على نهايتها هذه المرحلة التي كانت تتنازع فيها طبقات المستثمرين في بروسيا والنمسا حول طرق انجاز هذه الثورة من فوق، لم يكتف ماركس بشجب لاسال لمداعباته مع بيسمارك انما كان يصلح ايضاً ليبكنخت الذي وقع في "حب النمسا"، واخذ يدافع عن الخصائص المحلية 22. وكان ماركس يلح على انتهاج تاكتيك ثوري يكافح بلا هوادة سواء بيسمارك ام محبي النمسا، تاكتيك لا يتكيف "للمنتصر"ـ اليونكر 23 البروسي ـ بل يحدد النضال الثوري ضده فوراً، وبالضبط في الميدان الناجم عن انتصارات بروسيا العسكرية ("المراسلات"، المجلد الثالث، ص ص 134، 136، 147، 179، 204، 210، 215، 318، 437، 440 – 441) 24. وفي رسالة الاممية الشهيرة الصادرة في 9 ايلولـ سبتمبر 1870، حذر ماركس البروليتاريا الفرنسية من انتفاضة قبل الاوان، ولكن عندما قامت هذه الانتفاضة مع ذلك (1871) حيا ماركس بحماسة المبادرة الثورية لدى الجماهير "التي تصعد لمهاجمة السماء" (رسالة ماركس الى كوغلمان). ان هزيمة الحركة الثورية في هذا الوضع مثلها في العديد من الاوضاع الاخرى قد كانت من وجهة نظر مادية ماركس الديالكتيكية شراً اهون بالنسبة الى مجمل سير النضال البروليتاري، و بالنسبة الى نتيجة هذا النضال من شر اخلاء الموقع للمحتل و الاستسلام دون قتال. ان مثل هذا الاستسلام كان من شأنه ان يثبط من معنويات البروليتاريا وان يقوض كفاحيتها. ان ماركس، مع تقديره التام لاستخدام وسائل النضال الشرعية في مراحل الركود السياسي وسيطرة الشرعية البرجوازية، قد شجب بشدة بالغة في 1877-1878 بعد سن القانون الاستثنائي ضد الاشتراكيين 25 "الجملة الثورية" لدى موست. وحمل بنفس الشدة، ان لم يكن اكثر، على الانتهازية التي كانت قد استولت موقتاً حينذاك على الحزب الاشتراكي ـ الديمقراطي الرسمي الذي لم يعرف كيف يعطي الدليل فوراً على الثبات و الصلابة و الروح الثورية وكيف يظهر،جواباً على القانون الاستثنائي، استعداده للانتقال الى النضال السري. ("المراسلات"، المجلد الرابع، ص ص 397، 303، 418، 422، 424. 26. راجع ايضا رسائل ماركس الى سورجي).

الاشتراكية من وجهه النظر الماركسيه


الاشتراكية





نرى مما تقدم ان ماركس يخلص الى ان المجتمع الرأسمالي سيتحول حتماً الى مجتمع اشتراكي. وهو يستخلص ذلك استخلاصاً تاماً وعلى وجه الحصر من القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث. ان جعل العمل اجتماعياً،ان هذه العملية التي تتقدم بسرعة متزايدة ابداً، وبالوف الاشكال، والتي ظهرت بوجه خاص خلال النصف القرن الذي انقضى على وفاة ماركس في توسع الصناعة الكبيرة والكارتيلات والسنديكات والتروستات الرأسمالية، وفي التطور الاسطوري لنسب رأس المال المالي وقوته، ذلك هو الاساس المادي الرئيسي لمجيء الاشتراكية الذي لا مناص منه. ان المحرك الفكري والمعنوي والعامل المادي لهذا التحول انما هو البروليتاريا التي تثقفها الرأسمالية نفسها. ان نضال البروليتاريا ضد البرجوازية، الذي يتخذ اشكالاً مختلفة ومحتوى يغتني باستمرار، يصبح حتماً نضالاً سياسياً يرمي الى استيلاء البروليتاريا على الحكم السياسي ("ديكتاتورية البروليتاريا"). ولابد لعملية جعل الانتاج اجتماعياً من ان تجعل وسائل الانتاج ملكية اجتماعية، وان تؤدي الى "انتزاع الملكية من مغتصبيها". ان التزايد الضخم في انتاجية العمل وانقاص يوم العمل واحلال العمل التعاوني المتقن محل بقايا الانتاج الصغير البدائي المبعثر وعلى انقاضه، تلك هي النتائج المباشرة لهذا التحول. ان الرأسمالية تقطع نهائياً الروابط التي تصل الزراعة بالصناعة ولكنها في الوقت نفسه تهيئ بتطورها الاكثر تقدماً العناصر الجديدة لهذا الترابط. وتهيئ اتحاد الصناعة بالزراعة على اساس تطبيق العلم تطبيقاً واعياً، وعلى اساس تنسيق العمل التعاوني وتوزيع جديد للسكان (وضع حد لعزلة الريف عن العالم وما يعانيه من تخلف وعزلة وتوحش، وكذلك لتكدس عدد ضخم من السكان في المدن الكبيرة على نحو غير طبيعي). ان الاشكال العليا للرأسمالية الحديثة تهيئ شكلاً جديداً للعائلة، وشروطاً جديدة للمراة ولتربية الاجيال الناشئة. فان عمل النساء والاولاد وانحلال العائلة البطريركية بسبب النظام الرأسمالي يأخذان حتماً في المجتمع الحديث اكثر الاشكال فظاعة واشدها تدميراً وتنفيراً. ومع ذلك "فالصناعة الكبيرة باعطائها النساء والاحداث والاولاد من الجنسين دوراً حاسماً في عملية الانتاج المنظمة اجتماعياً خارج النطاق العائلي تخلق اساساً اقتصادياً جديداً لشكل اعلى من اشكال العائلة والعلاقات بين الجنسين. ومن الخرق طبعاً ان يعتبر بمثابة شيء مطلق سواء الشكل الجرماني المسيحي للعائلة ام الاشكال القديمة الرومانية واليونانية والشرقية التي تؤلف من جهة اخرى سلسلة واحدة من التطورات التاريخية المتعاقبة. ومن البديهي ايضاً ان تركيب الهيئة العمالية المختلطة عن طريق اجتماع افراد من الجنسين ومن مختلف الاعمار ـ مع كونه في شكله الرسمي العفوي الفظ حيث العامل موجود من اجل عملية الانتاج وليس عملية الانتاج موجودة من اجل العامل يؤلف ينبوعاً موبوءاً للافساد والاستعباد ـ ان هذا التركيب يجب ان يتحول بالعكس في ظروف مؤاتية الى ينبوع للتطور الانساني" ("رأس المال" المجلد الاول نهاية الفصل الثالث عشر). ان نظام المصنع يبين لنا "بذور التربية في المستقبل، هذه التربية التي ستوحد العمل المنتج لجميع الاولاد فوق سن معينة مع التعليم والرياضة، و ذلك ليس فقط بمثابة طريقة تهدف الى زيادة الانتاج الاجتماعي بل بمثابة الطريقة الوحيدة الفريدة لانتاج رجال متطورين من كل النواحي" (المصدر نفسه). وعلى الاساس التاريخي نفسه تضع اشتراكية ماركس قضيتي القومية والدولة لا لتفسير الماضي وحسب بل لتحديد التنبؤات بجراة و للقيام بعمل مقدام في سبيل تحقيقها. ان الامم هي الانتاج والشكل الحتميان للمرحلة البرجوازية من التطور الاجتماعي. ان الطبقة العاملة لم تستطع ان تقوي نفسها وتنضج وتتطون الا "بتكوين نفسها ضمن الحدود القومية" دون ان تكون "قومية" ("وان لم يكن اطلاقا بالمعنى البرجوازي للكلمة"). والحال ان تطور الرأسمالية لا ينفك يحطم الحدود القومية ويهدم العزلة القومية. يحل التناحرات الطبقية محل التناحرات القومية. ولهذا يكون من الصحيح تماماً "ان ليس للعمال وطن" في البلدان الرأسمالية المتطورة. وان "توحيد جهود" العمال في البلدان المتمدنة على الاقل "هو احد الشروط الاولية لتحرر البروليتاريا" ("البيان الشيوعي"). اما الدولة، هذا العنف المنظم، فقد ظهرت ظهوراً حتمياً عند درجة معينة من تطور المجتمع، حينما اصبح المجتمع منقسماً الى طبقات، لا يمكن التوفيق بينها ولم يعد في طوقه ان يعيش بدون "سلطة" موضوعة كما يزعم فوق المجتمع ومفصولة عنه الى حد ما. و هذه الدولة التي ولدت في قلب التناحرات الطبقية تصبح "دولة الطبقة الاقوى، الطبقة المسيطرة اقتصادياً، والتي تغدو ايضاً بفضل الدولة الطبقة المسيطرة سياسياً، وهكذا تكتسب وسائل جديدة لاخضاع الطبقة المظلومة واستثمارها. وعلى هذا النحو كانت الدولة القديمة قبل كل شيء دولة ملاكي عبيد لاخضاع العبد، كما ان الدولة الاقطاعية كانت جهاز النبلاء لاخضاع الفلاحين الاقنان، وكما ان الدولة التمثيلية الحديثة هي اداة استثمار الرأسماليين للعمال المأجورين" (انجلس في كتاب "اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" حيث عرض وجهات نظره ووجهات نظر ماركس). وحتى الشكل الاوفر حرية والاكثر تقدماً للدولة البرجوازية، ونعني به الجمهورية الديمقراطية، لا يلغي ابداً هذا الواقع بل يعدل شكله فقط (ارتباط الحكومة بالبورصة، رشوة الموظفين والصحافة، على نحو مباشر وغير مباشر الخ.). ان الاشتراكية اذ تقود الى الغاء الطبقات تقود بالتالي الى الغاء الدولة. "ان اول عمل تثبت به الدولة فعلاً انها تمثل المجتمع باسره ـ اي الاستيلاء على وسائل الانتاج في صالح المجتمع باسره ـ هو في الوقت نفسه اخر عمل خاص بها بوصفها دولة. ان تدخل سلطة الدولة في العلاقات الاجتماعية يصبح نافلاً في ميدان بعد آخر، ثم يتلاشى من تلقاء نفسه. ومحل حكم الاشخاص تحل ادارة الاشياء وقيادة عملية الانتاج. ان الدولة "لا تلغى"، انها "تضمحل" (انجلس، "ضد دوهرنغ"). "ان المجتمع الذي سينظم الانتاج على اساس المشاركة الحرة المتساوية بين المنتجين سيعيد كل الة الدولة الى المكان اللائق بها: متحف الاثار الى جانب المغزل اليدوي والفاس البرونزية" (انجلس،"اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة").

واخيراً من الاهمية بمكان ان نشير، في معرض موقف اشتراكية ماركس من الفلاح الصغير الذي سيبقى موجوداً ايضاً في مرحلة انتزاع الملكية من مغتصبيها،الى هذا البيان من انجلس الذي يعبر عن رأي ماركس: "عندما تصبح سلطة الدولة في ايدينا لن يكون بالامكان ان يخطر ببالنا ان ننتزع ملكية الفلاحين الصغار بعنف (بتعويض او بغير تعويض سيان) مثلما سنكون مضطرين لان نفعل بالنسبة لكبار الملاكين العقاريين. ان مهمتنا تجاه الفلاح الصغير ستكون قبل كل شيء توجيه انتاجه الخاص في السبيل التعاوني، لا بواسطة العنف، بل عن طريق المثل وتقديم مساعدة المجتمع لهذا الغرض. ومن المؤكد ان سيكون لدينا ما يكفي من الوسائل لاقناع الفلاح بجميع المزايا التي يتسم بها هذا التحول والتي لا بد من توضيحها له منذ الآن". (انجلس، "مسالة الفلاحين في فرنسا والمانيا". طبع الكسييفا، صفحة 17. الترجمة الروسية باغلاط. النص الاصلي في جريدة Neue Zeit).

مذهب ماركس الاقتصادي


مذهب ماركس الاقتصادي





يقول ماركس في مقدمة كتابه "رأس المال": " ان الهدف النهائي لهذا الكتاب هو ان يكشف عن القانون الاقتصادي لحركة المجتمع الحديث"، اي المجتمع الرأسمالي البرجوازي. فدراسة علاقات الانتاج في هذا المجتمع المحدد تاريخياً من حيث ولادة هذه العلاقات وتطورها وزوالها، ذلك هو مضمون مذهب ماركس الاقتصادي. ان الشيء السائد في المجتمع الرأسمالي هو انتاج البضائع. ولهذا يبدأ تحليل ماركس بتحليل البضاعة.



القيمة

البضاعة هي بالدرجة الاولى شيء يسد حاجة من حاجات الانسان. وهي بالدرحة الثانية شيء يمكن مبادلته بشيء آخر. ان منفعة شيء ما تعطيه قيمة استعمالية. اما القيمة التبادلية ـ او القيمة باختصار ـ فهي، اولاً، العلاقة، النسبة، في مبادلة عدد من القيم الاستعمالية من نوع ما بعدد من القيم الاستعمالية من نوع آخر. ان التجربة اليومية تبين لنا ان الملايين والمليارات من مثل هذه المبادلات تقيم دون انقطاع علاقات من التعادل بين القيم الاستعمالية الاكثر تنوعاً والاكثر تبايناً. فما هو العنصر المشترك بين هذه الاشياء المختلفة التي يعادل بعضها ببعض باستمرار في نظام من العلاقات الاجتماعية؟ ان العنصر المشترك بينها هو كونها نتاجات عمل. فعندما يتبادل الناس منتجاتهم يعادلون بين انواع العمل الاكثر تبايناً. ان انتاج البضائع هو نظام من العلاقات الاجتماعية يخلق فيه شتى المنتجين منتجات متنوعة (التقسيم الاجتماعي للعمل) ويعادلون بينها عند التبادل. وبالتالي ان العنصر المشترك بين جميع البضائع ليس هو العمل في فرع معين من الانتاج وليس هو عملاً من نوع خاص، بل هو العمل الانساني المجرد، العمل الانساني بوجه عام. ففي مجتمع معين تؤلف كل قوة العمل الممثلة في مجموع قيم كل البضائع قوة عمل انساني واحدة موحدة. والدليل على ذلك المليارات من امثلة التبادل. وهكذا فكل بضاعة مأخوذة بمفردها لا تمثل سوى جزء ما من وقت العمل الضروري اجتماعياً. ان كمية القيمة تحدد بقيمة العمل الضروري اجتماعياً او بوقت العمل الضروري اجتماعياً لانتاج بضاعة معينة. اي قيمة استعمالية معينة. "ان المنتجين حين يعتبرون منتجاتهم المختلفة متساوية عند تبادلها يقرون بذلك ان اعمالهم المختلفة متساوية وهم لا يدركون ذلك ولكنهم يفعلونه". لقد قال اقتصادي قديم: ان القيمة هي العلاقة بين شخصين. وكان عليه ان يضيف بكل بساطة الى قوله هذا: علاقة مغلفة بغلاف مادي. ذلك انه لا يمكن فهم القيمة الا بالاستناد الى مجمل علاقات الانتاج الاجتماعية لتشكيلة تاريخية معينة. اي العلاقات التي تظهر عند التبادل هذه الظاهرة الجماهيرية التي تتكرر مليارات المرات. "ان البضائع بوصفها قيماً ليست الا كميات محدودة من وقت العمل المتجمد" ("مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي"). وبعد تحليل مفصل للصفة المزدوجة للعمل المجسد في البضائع ينتقل ماركس الى تحليل اشكال القيمة والعملة (النقد). والمهمة الرئيسية التي يضعها نصب عينيه اذ ذاك هي ان يبحث عن منشأ الشكل النقدي للقيمة، وان يدرس التفاعل التاريخي لتطور التبادل ابتداء من اعمال التبادل الفردية والعرضية ("شكل بسيط منفرد وطارئ للقيمة": كمية معينة من بضاعة ما تبادل مقابل كمية معينة من بضاعة اخرى) حتى الشكل العام للقيمة عندما يبادل عدد من البضائع المختلفة ببضاعة واحدة معينة، حتى الشكل النقدي للقيمة حيث يصبح الذهب بمثابة تلك البضاعة المعينة، بمثابة المعادل العام. ان النقد بوصفه النتاج الأعلى لتطور التبادل وانتاج البضائع يطمس، يخفي، الصفة الاجتماعية للعمل الفردي اي العلاقة الاجتماعية بين المنتجين المنفردين الذين يرتبطون ببعضهم البعض بواسطة السوق. ويخضع ماركس لتحليل مفصل الى اقصى حد شتى وظائف النقد. ومن المهم الملاحظة هنا ايضاً (كما في جميع الفصول الأولى من كتاب "رأس المال") ان الشكل المجرد للعرض الذي يبدو احياناً استدلالياً فقط يعرض في الواقع مصادر وافرة الغنى حول تاريخ تطور التبادل وانتاج البضائع. "ان النقد يفترض مستوى معيناً من التبادل البضاعي. ان شتى اشكال النقد، بوصفه معادلاً بسيطاً، ووسيلة للتداول، ووسيلة للدفع، و كنزاً مخزوناً، ونقداً عالمياً ـ تدل بالمقارنة بين تفوق وظيفة على اخرى على مراحل مختلفة جداً من الانتاج الاجتماعي" ("رأس المال"،المجلد الاول).



القيمة الزائدة

في درجة ما من تطور انتاج البضائع يتحول النقد الى رأس مال. لقد كانت صيغة تداول البضائع: ب (بضاعة) ـ ن (نقد) ـ ب (بضاعة)، اي بيع بضاعة في سبيل شراء غيرها. اما صيغة رأس المال العامة فهي بالعكس: ن ـ ب ـ ن ـ اي شراء في سبيل بيع (مع ربح). ان هذه الزيادة في القيمة الاولى للنقد الذي وضع قيد التداول هي ما يسميه ماركس "القيمة الزائدة". و"زيادة" المال هذه في التداول الرأسمالي واقع معروف لدى الجميع. ان هذه "الزيادة" بعينها هي التي تحول المال الى رأسمال بوصفه علاقة انتاج اجتماعية خاصة محددة تاريخياً. ولا يمكن للقيمة الزائدة ان تنجم عن تداول البضائع لان هذا التداول لا يعرف سوى تبادل اشياء متعادلة، ولا يمكن لها ايضاً ان تنجم عن ارتفاع الاسعار لان الخسائر والارباح لدى كل من الشارين والبائعين تتوازن، والحال ان الامر يتعلق بظاهرة اجتماعية وسطية ومعممة لا بظاهرة افرادية. فمن أجل الحصول على القيمة الزائدة "يجب ان يتمكن صاحب المال من اكتشاف بضاعة في السوق، لها قيمة استعمالية، تتمتع بميزة خاصة هي ان تكون مصدراً للقيمة"، اي بضاعة تكون عملية استهلاكها في الوقت نفسه عملية تخلق قيمة. وبالفعل هذه البضاعة موجودة: انها قوة العمل الانساني. ان استهلاكها هو العمل والعمل يخلق القيمة. ان صاحب المال يشتري قوة العمل بقيمتها التي يحددها، كما يحدد قيمة كل بضاعة اخرى، وقت العمل الضروري اجتماعياً لانتاج البضاعة (اي نفقات اعالة العامل وعائلته). وحين يشتري صاحب المال قوة العمل يصبح من حقه ان يستهلكها اي ان يجعلها تعمل طوال النهار ولنقل 12 ساعة. ولكن العامل حين يشتغل 6 ساعات (اي وقت العمل "الضروري") يعطي انتاجاً يغطي نفقات اعالته وفي الساعات الست الاخرى (اي وقت العمل "الزائد") يعطي انتاجاً "زائداً" لا يدفع الرأسمالي اجرة عنه، اي يعطي القيمة الزائدة. وبالتالي فمن وجهة نظر عملية الانتاج يجب ان نميز قسمين في الرأسمال: الرأسمال الثابت الذي ينفق على وسائل الانتاج (الات، وادوات عمل، ومواد اولية الخ.) وتنتقل قيمته كما هي (دفعة واحدة او دفعات) الى المنتوج التام الصنع، والرأسمال المتغير (المتحرك) الذي ينفق على قوة العمل. وقيمة هذا الرأسمال لا تظل ثابتة بل تنمو في عملية الانتاج، اذ تخلق القيمة الزائدة. وعليه فمن اجل التعبير عن درجة استثمار الرأسمال لقوة العمل يجب مقارنة القيمة الزائدة لا بالرأسمال كله بل بالرأسمال المتغير. ان معدل القيمة الزائدة، الاسم الذي اطلقه ماركس على هذه العلاقة، سيكون في مثلنا 6/6 او 100 بالمائة.

ان المقدمة التاريخية لظهور الرأسمال هي في الدرجة الاولى تراكم كمية معينة من المال في ايدي عدد من الافراد في حين بلغ انتاج البضائع درجة ارتفاع نسبي. وهي، في الدرجة الثانية، وجود عمال "احرار" من وجهتين: من وجهة انهم احرار من كل تضييق و من كل تقيد في بيع قوة عملهم، واحرار لانهم لا يملكون ارضاً ولا وسائل انتاج بوجه عام، اي وجود عمال احرار وغير مقيدين، اي وجود عمال "بروليتاريين" لا يستطعيون العيش بغير قوة عملهم.

ان ازدياد القيمة الزائدة امر ممكن بفضل وسيلتين اساسيتين: تمديد يوم العمل ("قيمة زائدة مطلقة") والتقليص في يوم العمل الضروري ("قيمة زائدة نسبية"). وعندما يحلل ماركس الوسيلة الاولى يرسم لوحة رائعة لنضال الطبقة العاملة في سبيل تقليص يوم العمل ولتدخل سلطة الدولة في سبيل تمديده (من القرن الرابع عشر الى القرن السابع عشر) وفي سبيل تقليصه (تشريع المصانع في القرن التاسع عشر). و منذ نشر كتاب "رأس المال" قدم تاريخ الحركة العمالية في جميع البلدان المتمدنة في العالم عدداً لا يحصى من الوقائع الجديدة التي تبرهن على صدق هذه اللوحة.

ان ماركس عند تحليله القيمة الزائدة النسبية يدرس المراحل التاريخية الاساسية الثلاث لزيادة انتاجية العمل من قبل الرأسمالية:

1- التعاون البسيط.

2- تقسيم العمل والمانيفاكتورة.

3- الآلات والصناعة الكبرى.

ان العمق الذي يكشف به ماركس الخطوط الاساسية النموذجية لتطور الرأسمالية يظهر فيما يظهر من كون دراسة الصناعة المسماة الصناعة "الحرفية" في روسيا تقدم ادلة وافرة جداً توضح وتبرز المرحلتين الاوليتين من هذه المراحل الثلاث. اما عمل الصناعة الميكانيكية الضخمة الثوري الذي وصفه ماركس في 1867 فقد ظهر خلال نصف القرن المنصرم منذ ذلك الحين في عدة بلدان "جديدة" (روسيا واليابان وغيرهما).

وبعد فان الامر الهام والجديد الى اقصى حد عند ماركس هو تحليل تراكم الرأسمال. اي تحول قسم من القيمة الزائدة الى رأسمال، واستعماله لا لسد حاجات الرأسمالي الشخصية او لارضاء نزواته بل للانتاج من جديد. لقد اشار ماركس الى خطأ الاقتصاد السياسي الكلاسيكي السابق كله (ابتداء من ادم سميث) الذي يعتبر ان كل القيمة الزائدة التي تتحول الى رأسمال تذهب الى الرأسمال المتغير بينما هي في الحقيقة تنقسم الى وسائل انتاج و رأسمال متغير. وفي عملية تطور الرأسمالية وتحولها الى الاشتراكية يرتدي ازدياد حصة الرأسمال الثابت بمزيد من السرعة (من اصل مجمل رأس المال) بالقياس الى حصة الرأسمال المتغير اهمية اولية.

ان تراكم الرأسمال بتعجيله في احلال الآلة محل العمال، وبخلقه الثراء في قطب والبؤس في قطب آخر، يخلق ايضاً ما يسمى "باحتياطي جيش العمل" او "الفائض النسبي من العمال" او "فيض السكان الرأسمالي" الذي يرتدي اشكالاً متنوعة الى اقصى حدود التنوع، ويمكن الرأسمال من ان يوسع الانتاج بسرعة بالغة. ان هذه الامكانية اذا نسقت مع التسليف وتراكم الرأسمال بشكل وسائل الانتاج تعطينا فيما تعطيه مفتاحاً لفهم ازمات فيض الانتاج التي كانت في البدء تحصل على نحو دوري في البلدان الرأسمالية مرة في كل عشر سنوات تقريباً، ومن ثم في فترات اقل تقارباً واقل ثباتاً. ويجب التمييز بين تراكم الرأسمال على اساس الرأسمالية، والتراكم المسمى بالتراكم "البدائي" الذي يتصف بفصل الشغيل فصلاً عنيفاً عن وسائل الانتاج ويطرد الفلاحين من اراضيهم وبسرقة الاراضي المشاعية وبنظام المستعمرات وبالديون العامة وبرسوم الحماية الخ...ان "التراكم البدائي" يخلق البروليتاري "الحر" في قطب، وفي قطب آخر القابض على المال، الرأسمالي.

ويصف ماركس "الاتجاه التاريخي للتراكم الرأسمالي" بهذه العبارات المشهورة: "ان انتزاع ملكية المنتجين المباشرين يتم باشد النزعات الى الهدم والتدمير بعداً عن الشفقة وبدافع من احط المشاعر واحقرها واشدها تفاهة وحقداً. فالملكية الخاصة المكتسبة بعمل المالك" (عمل الفلاح والحرفي) "والقائمة اذا جاز التعبير على اندماج الشغيل الفردي المستقل مع ادوات ووسائل عمله تزيحها الملكية الخاصة الرأسمالية التي ترتكز على استثمار قوة عمل الغير الذي لا يتمتع بغير حرية شكلية ... اما من يتعلق الامر الآن بانتزاع ملكيته فلم يعد المقصود العامل الذي يدير استثمارة مستقلة بنفسه بل الرأسمالي الذي يستثمر العديد من العمال. ان انتزاع الملكية هذا يتم بفعل القوانين الملازمة للانتاج الرأسمالي نفسه عن طريق تمركز الرساميل. ان رأسمالياً واحداً يقضي على الكثيرين من امثاله. والى جانب هذا التمركز اي انتزاع بعض الرأسماليين ملكية عدد كبير من امثالهم يتطور الشكل التعاوني لسير العمل على مقياس يتسع اكثر فاكثر، كما يتطور تطبيق العلم على التكنيك تطبيقاً فطناً و متعقلاً واستثمار الارض استثماراً منهجياً وتحويل وسائل العمل الى وسائل للعمل لا يمكن استعمالها الا استعمالاً مشتركاً، وتوفير جميع وسائل الانتاج باستعمالها كوسائل انتاج لعمل اجتماعي منسق، ودخول جميع الشعوب في شبكة السوق العالمية. وتتطور الى جانب كل ذلك الصفة العالمية للنظام الرأسمالي. وبقدر ما يتناقص باستمرار عدد دهاقنة الرأسمال الذين يغتصبون ويحتكرون جميع منافع عملية التحول هذه بقدر ما يشتد ويستشري البؤس والظلم والاستعباد والانحطاط والاستثمار. وبقدر ما يزداد ايضاً تمرد الطبقة العاملة التي تتثقف وتتحد وتنتظم بفعل آلية عملية الانتاج الرأسمالي نفسها. وهكذا يصبح احتكار الرأسمال قيد لاسلوب الانتاج الذي نشأ معه وبه. ان تمركز وسائل الانتاج وجعل العمل اجتماعياً ينتهيان الى حد انهما لا يعودان يتطابقان مع اطارهما الرأسمالي فينفجر. ان الساعة الاخيرة للملكية الخاصة الرأسمالية تدق. ان مغتصبي الملكية تنزع منهم ملكيتهم" ("رأس المال"، المجلد الاول).

ثم ان ما هو جديد وذو اهمية كبرى انما هو تحليل ماركس في المجلد الثاني من "رأس المال" لتجديد انتاج الرأسمال الاجتماعي بمجموعه. وهنا ايضاً لا يأخذ ماركس بعين الاعتبار ظاهرة عامة ولا جزءا من الاقتصاد الاجتماعي بل الاقتصاد الاجتماعي بكليته. ان ماركس عند اصلاحه خطأ الكلاسيكيين المشار اليهم انفاً يقسم مجموع الانتاج الاجتماعي الى قسمين كبيرين: اولاً، انتاج وسائل الانتاج وثانياً، انتاج سلع الاستهلاك. ثم، بالاستناد الى ارقام ياخذها على سبيل المثال، يدرس درساً دقيقاً تداول الرأسمال الاجتماعي بمجموعه سواء في تجديد الانتاج البسيط ام في التراكم. وفي المجلد الثالث من "رأس المال" تجد مسالة المعدل الوسطي للربح حلاً لها بالاستناد الى قانون القيمة. ولقد تحقق تقدم كبير في العلم الاقتصادي نظراً الى ان ماركس يبني تحليله على ظواهر اقتصادية كثيرة، على مجموع الاقتصاد الاجتماعي، لا على ظواهر منعزلة او على مظهر المزاحمة الخارجي السطحي الذي غالباً ما يقف عنده الاقتصاد السياسي المبتذل او ما يسمونه نظرية الحد الاقصى من النفع الحديثة([30]). ان ماركس يحلل في الدرحة الاولى مصدر القيمة الزائدة ليدرس بعد ذلك انقسامها الى ربح وفائدة وريع عقاري. اما الربح فهو نسبة القيمة الزائدة الى مجموع الرأسمال الموظف في مشروع ما. والرأسمال "ذو التركيب العضوي العالي"(اي عندما يتجاوز الرأسمال الثابت الرأسمال المتغير بنسب اعلى من المعدل الاجتماعي الوسطي) يعطي معدلاً من الربح ادنى من المعدل الوسطي. والرأسمال "ذو التركيب العضوي المنخفض" يعطي معدلاً من الربح اعلى من المعدل الوسطي. ان تزاحم الرساميل وانتقالها الحر من فرع الى آخر يحملان في الحالتين معدل الربح الى المعدل الوسطي. ان مجموع قيم جميع البضائع في مجتمع معين يوازي مجموع اثمان البضائع، ولكن في كل مشروع بمفرده وبفعل المزاحمة تباع البضائع لا بحسب قيمتها بل بسعر الانتاج ( او السعر الانتاجي) الذي يعادل الرأسمال المصروف مضافاً اليه الربح الوسطي.

وهكذا فان انحراف السعر عن القيمة والتوزيع المتساوي للربح ـ هذا الواقع الذي لا يقبل الجدل والمعروف لدى الجميع ـ يوضحه ماركس تمام الايضاح بالاستناد الى قانون القيمة. اذ ان مجموع قيم جميع البضائع يعادل مجموع اسعارها. ولكن الطريق من القيمة (الاجتماعية) الى الاسعار (الافرادية) ليس بسيطاً ومباشراً بل طريق معقد جداً. فمن الطبيعي تماماً في مجتمع يكون فيه منتجو البضائع متفرقين وغير مرتبطين فيمن بينهم الا بواسطة السوق، ان لا يسري مفعول القوانين الا بصورة وسطية اجتماعية عامة مع ازالة الانحرافات الافرادية من هذه الجهة وتلك.

ان ازدياد انتاجية العمل يعني نمواً اسرع في الرأسمال الثابت بالقياس الى الرأسمال المتغير. ولكن لما كانت القيمة الزائدة لا ترتبط الا بالرأسمال المتغير اصبح من المفهوم ان يميل معدل الربح (اي نسبة القيمة الزائدة الى مجموع الرأسمال لا الى القسم المتغير منه فقط) الى الهبوط. ان ماركس يحلل تحليلاً دقيقاً جداً هذا الميل، كما يحلل الظروف التي تخفيه او تعاكسه. ودون ان نتوقف عند الفصول العظيمة الاهمية في المجلد الثالث المكرسة لرأسمال الربا والرأسمال التجاري والرأسمال النقدي، ننتقل الى الجزء الاكثر اهمية الا وهو نظرية الريع العقاري. لما كانت مساحة الارض محدودة ويشغلها تماماً في البلدان الرأسمالية ملاكون فرديون اصبح ثمن انتاج المنتجات الزراعية لا يتحدد بواسطة نفقات الانتاج على ارض وسطية بل على ارض من النوع الاسوأ، ولا بواسطة الشروط الوسطية لنقل المنتجات الى السوق بل تبعاً للشروط الاقل ملاءمة. ان الفرق بين هذا الثمن وثمن الانتاج على ارض اجود نوعاً (او في شروط احسن) يعطي الريع الفرقي (او المتفاوت). ان ماركس بالاستناد الى تحليل مفصل لهذا الريع يبين فيه ان هذا الريع ينجم عن التفاوت (الفرق) في جودة الاراضي، وعن تفاوت (فرق) الرساميل الموظفة في الزراعة، قد اوضح وضوحاً تاماً (انظر ايضاً "نظريات القيمة الزائدة" حيث يستحق انتقاد رودبرتوس اهتماماً خاصاً) خطأ ريكاردو الذي يزعم ان الريع الفرقي لا يحصل الا بالانتقال الدائم من اراض اكثر جودة الى اراض اقل جودة. فالامر على خلاف ذلك: فان تغيرات معاكسة قد تحدث ايضاً. فالاراضي من فئة معينة تتحول الى اراض من فئة اخرى (بفعل ارتفاع مستوى الزراعة ونمو المدن الخ). والقانون الشهير"قانون تناقص خصب التربة" يبدو بمثابة خطأ عميق يرمي الى القاء عيوب الرأسمالية وحدودها الضيقة وتناقضاتها على كاهل الطبيعة. ثم ان تساوي الربح في جميع فروع الصناعة والاقتصاد الوطني بوجه عام يفترض حرية تامة في المزاحمة وحرية نقل الرأسمال من فرع الى آخر. ولكن الملكية الخاصة للارض تخلق احتكاراً وعقبة في وجه حرية النقل هذه. ان منتجات الزراعة التي تتميز بتركيب منخفض في رأسمالها، والتي تعطي بالتالي معدلاً اعلى للربح الفردي، لا تدخل بفعل هذا الاحتكار في عملية تساوي معدل الربح الحرة تماماً. فالمالك الذي يحتكر الارض يتمكن من ابقاء السعر في معدل اعلى من الوسط، وهذا السعر الاحتكاري يخلق الريع المطلق. ان الريع الفرقي لا يمكن الغاؤه في النظام الرأسمالي، وعكساً لذلك يمكن الغاء الريع المطلق بتأميم الارض، مثلاً عندما تصبح الارض ملكاً للدولة. ان انتقال الارض هذا الى الدولة يعني تقويض احتكار الملاكين الفرديين، ويعني ايضاً حرية في المزاحمة اكثر انسجاماً واكتمالاً في الزراعة. ولهذا كما يقول ماركس تقدم البرجوازيون الراديكاليون اكثر من مرة في التاريخ بهذا المطلب البرجوازي التقدمي القائل بتأميم الارض. هذا المطلب الذي يخيف مع ذلك اكثر البرجوازية لانه "يمس" عن قرب احتكاراً آخر له في ايامنا هذه اهمية خاصة و"حساسية" خاصة، وهو احتكار وسائل الانتاج بوجه عام. (ان هذه النظرية حول الربح الوسطي للرأسمال وحول الريع العقاري المطلق قد عرضها ماركس باسلوب رائع بسيط ومختصر وواضح في رسالته الى انجلز بتاريخ 2 اب/اوت سنة 1862. انظر "المراسلات"، المجلد الثالث، ص 77-81، ورسالته المؤرخة في 9 اب/اوت سنة ،1862 ص 86-87، المصدر نفسه). ومن الاهمية بمكان اايضاً الاشارة في تاريخ الريع العقاري الى تحليل ماركس الذي يبين تحول الريع ـ العمل (عندما يخلق الفلاح نتاجاً اضافياً بعمله في ارض الملاك) الى ريع ـ انتاج، او الى ريع عيني (عندما يخلق الفلاح على ارضه نتاجاً اضافياً يقدمه للملاك بموجب "الاكراه غير الاقتصادي") ثم الى ريع نقدي (اذ يتحول هذا الريع العيني الى نقد ـ "اوبروك" اي اتاوة في روسيا القديمة ـ بسبب تطور انتاج البضائع)، واخيراً الى ريع رأسمالي عندما يحل محل الفلاح في الزراعة رب عمل يزرع الارض باللجوء الى العمل المأجور. ولنشر بصدد هذا التحليل "لتولد الريع العقاري الرأسمالي" الى جملة من افكار ماركس العميقة (ذات الاهمية الخاصة بالقياس الى البلدان المتاخرة كروسيا مثلاً) حول تطور الرأسمالية في الزراعة. "مع تحول الريع العيني الى ريع نقدي، تتكون بالضرورة، في الوقت نفسه وحتى مسبقاً، طبقة من المياومين الذين لا يملكون ويعملون بالاجرة. وفي الوقت الذي تتكون فيه هذه الطبقة التي لم تكن ظهرت الا ظهوراً متفرقاً يكون الفلاحون الميسورون الملزمون بدفع اتاوة قد اعتادوا بالطبع استثمار بعض الاجراء الزراعيين لحسابهم الخاص كما كان يحدث تماماً في النظام الاقطاعي، حيث كان للفلاحين الاقنان الميسورين اقنان اخرون ايضاً. ومن هنا كانت تتوافر لهم امكانية جمع الثروة شيئاً فشيئاً وتحويل انفسهم الى رأسماليين مقبلين.

وهكذا تتكون بين مالكي الارض القدماء، ممن يديرون استثمارات مستقلة، بيئة تنبت مستأجري الاراضي الرأسماليين الذين يرتبط تطورهم بالتطور العام للانتاج الرأسمالي خارج الزراعة" ("رأس المال"، المجلد الثالث، 2، ص 332)..."ان انتزاع ملكية قسم من سكان الارياف وطردهم من الريف لا "يحرران" عمالاً ووسائل للعيش والعمل لهم من اجل الرأسمال الصناعي وحسب بل يخلقان السوق الداخلية ايضاً" ("رأس المال"، المجلد الاول، 2، ص 778). ان املاق وخراب سكان الارياف يسهمان بدورهما في انشاء جيش احتياطي من العمال للرأسمال . لهذا في كل بلد رأسمالي "يوجد دائماً قسم من سكان الارياف يوشك على الدوام ان يتحول الى سكان مدن او الى سكان يعملون في الصناعة (اي غير زراعيين). وهذا المورد لتزايد السكان النسبي لا ينضب ابداً...فالعامل الزراعي مكره على تقاضي الحد الادنى من الاجرة ويقف دائماً على احدى رجليه في مستنقع الاملاق" ("رأس المال"،المجلد الاول، 2، ص 668). ان ملكية الفلاح الخاصة للارض التي يزرعها تؤلف اساس الانتاج الصغير. تؤلف الشرط الذي يسمح لهذا الانتاج بان يزدهر وياخذ شكلاً كلاسيكياً. ولكن هذا الانتاج الصغير لا ينسجم الا مع الاطارات البدائية الضيقة للانتاج والمجتمع. ففي النظام الرأسمالي "لا يتميز استثمار الفلاحين عن استثمار البروليتاريا الصناعية الا من حيث الشكل. فالمستثمر هو هو، اي الرأسمال. إن الرأسماليين، كلا بمفرده، يستثمرون الفلاحين كلا بمفرده بواسطة الرهن والربا. ان طبقة الرأسماليين تستثمر طبقة الفلاحين بواسطة الضرائب" ("نضال الطبقات في فرنسا"). "ان ارض الفلاح الصغيرة لم تعد سوى ذريعة تتيح للرأسمال ان يجني من الارض ربحاً وفائدة وريعاً، وان يترك لمالك الارض نفسه امر الاهتمام بالطريقة التي يراها ناجحة للحصول على اجرته" ("18 برومير"). بل ان الفلاح يقدم عادة الى المجتمع الرأسمالي، اي الى طبقة الرأسماليين قسماً من اجرته، ويقع على هذا النحو "في حالة المكتري الارلندي مع احتفاظه بمظهر المالك الفردي" ("نضال الطبقات في فرنسا"). فما هو اذن "احد الاسباب التي تؤدي الى ان يكون سعر الحبوب في البلدان التي تسود فيها الملكية الصغيرة للارض اقل منه في البلدان ذات اسلوب الانتاج الراسمالي؟" ("رأس المال"، المجلد الثالث، 2، ص 340) ذلك ان الفلاح يقدم مجاناً الى المجتمع (اي طبقة الرأسماليين) قسماً من انتاجه الزائد. "ان هذا السعر المنخفض (اي سعر الحبوب وبقية المنتجات الزراعية) ينجم اذن عن فقر المنتجين ولا ينجم ابداً عن انتاجية عملهم". ("رأس المال"، المجلد الثالث، 2، ص 340). فان الملكية الزراعية الصغيرة التي هي الشكل العادي للانتاج الصغير تتدهور في النظام الرأسمالي وتبيد وتهلك. "ان الملكية الصغيرة للارض تحول بحكم طبيعتها دون تطور قوى العمل الانتاجية الاجتماعية واشكال العمل الاجتماعية وتمركز الرساميل الاجتماعي وتربية المواشي على نطاق كبير وتطبيق العلم تطبيقاً مطرداً. ان الربا ونظام الضرائب يحتمان خراب الملكية الزراعية الصغيرة في كل مكان. فينتزع من الزراعة الرأسمال الموظف لشراء الارض. وتجزأ وسائل الانتاج الى ما لانهاية ويتبعثر المنتجون". (ان التعاونيات اي جمعيات الفلاحين الصغار التي تقوم باعظم دور تقدمي برجوازي يمكنها فقط ان تضعف هذا الاتجاه دون ان تمحوه ويجب ان لا ننسى ايضاً ان هذه التعاونيات تعطي كثيراً للفلاحين الميسورين ولكنها تعطي قليلاً جداً لجمهور الفلاحين الفقراء او لا تعطيهم شيئا تقريباً. ثم ان الامر ينتهي بهذه الجمعيات الى ان تستثمر بنفسها العمل المأجور). "فهناك تبذير هائل للقوة الانسانية. ان تفاقم شروط الانتاج تفاقماً مطرداً و ارتفاع اسعار وسائل الانتاج هما قانونان ملازمان للملكية الصغيرة المجزأة". ("رأس المال المجلد الثالث). ففي الزراعة كما في الصناعة لا يظهر التحول الرأسمالي في اسلوب الانتاج إلا على حساب "شهادة المنتج". "ان تبعثر العمال الزراعيين على مساحات كبرى يحطم قوة مقاومتهم في حين يزيد التجمع قوة مقاومة عمال المدن. وفي الزراعة الحديثة الرأسمالية كما في الصناعة الحديثة يتم التوصل الى نمو قوة العمل الانتاجية والى زيادة قابليته للحركة عن طريق تحطيم قوة العمل بالذات واستنفادها. ومن جهة اخرى كل تقدم للزراعة الرأسمالية هو تقدم لا في فن نهب الشغيل فحسب بل في فن نهب الارض ايضاً ... فالانتاج الرأسمالي اذن لا يطور التكنيك وتنسيق عملية الانتاج الاجتماعية الا باستنزافه في الوقت نفسه الينبوعين اللذين تنبثق منهما كل ثروة: الارض والشغيل" ("رأس المال"،المجلد الاول، نهاية الفصل الثالث عشر).